دروس في القيادة

    جورج فهيم

    دروس كثيرة تتعدى الرياضة والفروسية يجب أن نتعلمها جميعاً، أياً كان موقعنا من الموقف البطولي والشجاع الذي اتخذه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، عندما اكتشف وجود آثار لمواد منشطة في اثنين من جياده شاركا في سباقين، فأسرع وأبلغ الاتحاد الدولي للفروسية وفتح تحقيقاً داخلياً في الموضوع.

    هذه الدروس تصب في قلب نمط القيادة والإدارة الذي يبلوره فكر وسلوك سموه، ويسعى جاهداً لغرسه في القيادات الشابة والأجيال الصاعدة على امتداد رقعة العالم العربي في إطار رؤية أشمل لبناء الإنسان القادر على مواجهة تحديات العصر.

    أول هذه الدروس هو أهمية الاعتراف بوجود الخطأ، فمن دون هذه الفضيلة يظل الخطأ كامناً أو مكشوفاً لأجيال وأجيال، من دون أن تسلط عليه الأضواء، أو أن يبادر أحد لإصلاحه، حتى ولو استفحلت النتائج وتعاظمت الخسائر.

    والدرس الثاني هو أن الاعتراف بالخطأ في حد ذاته لا يكفي ولا يعفي من المسؤولية، حتى ولو كانت موكلة لآخرين تسببوا عن قصد أو غير قصد في وقوع الخطأ، وقد أكد سموه هذه النقطة في البيان الذي أصدره وقال فيه بالحرف الواحد «أنا المسؤول قانوناً عما حدث».

    أما الدرس الثالث فيتمثل في المبادرة بإبلاغ الجهات المسؤولة وفتح تحقيق في ما حدث لمعرفة كيف ولماذا وقع الخطأ، وتحديد آليات لمنع تكراره مرة أخرى، ومن دون هذا الدرس الذي لا غنى عنه لأية قيادة، مهما كان موقعها، تظل الأخطاء تستنسخ نفسها، ونظل ندور معها في حلقة مفرغة.

    والدرس الرابع الذي يجب أن يضعه كل مسؤول أمام عينيه، هو أن القوانين، سواء كانت محلية أو دولية يجب أن تُحترم وتطبق على الجميع، لأنه لا يوجد أحد فوقها، وإذا كنا نريد من الآخرين أن يحترموا قوانيننا فيجب أن نبدأ نحن بذلك.

    والدرس الخامس هو أن الشفافية دستور يجب ألا نحيد عنه ولا يجوز المساس به مهما كانت الذرائع والحجج، لأن القيادات الناجحة لا تخاف من العمل في النور، لأنها ليس لديها ما تخشاه أو تتستر عليه.

    أما الدرس السادس الذي يجب أن نتوقف عنده طويلاً، فهو أن أي قيادة لا يمكنها أن تكون ناجحة في موقعها، وقادرة على محاسبة فريق العاملين معها ما لم تكن صاحبة خبرة طويلة ومعرفة دقيقة بالتفاصيل والحقائق العلمية، بصورة تسمح لها بمناقشة ومراجعة الخبراء وأصحاب الاختصاص.

    ويتمثل الدرس السابع في أن النتائج التي تترتب على خطأ ما يجب ألا تكون لها أي شرعية، لأن ما بني على خطأ يظل خطأ، ويتعين تصحيحه عاجلاً أم آجلاً.

    ويتمثل الدرس الثامن في أن أي قيادة تطمح إلى النجاح لابد وأن تمد نظرها إلى الأفق الرحب وتتوقف عن النظر تحت قدميها، وأن تقاوم إغراء المكاسب السريعة القصيرة المدى التي تتحقق على حساب الخسائر الفادحة على المدى الطويل.

    أما الدرس التاسع، وهو بالطبع ليس الأخير، فهو أن التجرد ومحاسبة النفس هما أعلى مرتبة روحية يمكن أن تصل إليها أي قيادة، لأنها بذلك تضرب المثل والقدوة لكل من يعمل تحت قيادتها من أكبر فرد إلى أصغر فرد، ولا أبالغ إذا قلت إن هذه السمات فعلاً كانت حجر الزاوية في المشروع الحضاري لدبي، فلا يمكن لأي بناء أن يعلو ويرتفع ما لم يكن مرتكزاً إلى أرض صلبة من المبادئ والقيم.

     

    georgefahim_63@hotmail.com

    طباعة