المرآة والتلفزيون
تقول لنا جملة: حدق في المرآة بدلاً من التحديق في التلفزيون.
حينما نفهم، علينا أن نذهب بفكرنا إلى الأشياء بعيداً عن الكلمات. وفي هذه الحال، علينا أن نذهب إلى طبيعة الرؤية في المرآة، أو الرؤية في التلفزيون.
العين وظيفتها الإبصار، وهي عضو يلتقط الضوء الذي تعكسه الأشياء ويحوّله، بحكم تحدب عدسته، إلى إشارات كهربية، تُنقل عبر الألياف البصرية إلى الدماغ، الذي يقوم بالوظائف الإدراكية والحسية والعقلية ووظائف اللغة. وتتحكم حدقة «إنسان» العين، بكمية الضوء الذي يدخلها، وهي فتحة في مركز القزحية، يتغير حجمها بحسب كمية الضوء المنعكس، بحيث تتسع في الظلمة لتستقبل أكبر كم من الضوء، وتضيق في النور لتستقبل كماً صغيراً من الضوء، ووظيفتها عكس وظيفة المرآة التي يقدر سطحها العاكس على تكوين صورة، عن طريق عكس ضوء الأجسام الموجودة أمامه، وتتكون، عادةً، من قطعة زجاج مطلية من جانبها السفلي، بطبقة عاكسة من الألمنيوم أو الفضة مع مواد أخرى. وليس الانعكاس إلا عملية فيزيائية خالصة، تحدث فيها تغيّرات في اتجّاه الموجات الضوئية أو الحراريّة أو الصوتيّة بعد وقوعها على سطح عاكس.
أما التلفزيون، فهو جهاز اتصالات وبث، عن بعد، واستقبال كل الصور المتحركة، حيّة أم مسجلّة، وكل الأصوات، وهو أخطر وسيلة إعلام وأهمها، وله الدور الأكبر في صناعة الرأي في المجتمع. وهو يمنح، أساساً، الملايين، التسلية وتمضية أوقات الفراغ، بالإضافة إلى الحصول على المعلومات ومشاهدة آخر الأخبار. وقد تحول التلفزيون، في التاريخ السياسي الحديث، ليصبح من رموز الحكومات والقادة ومدبري الانقلابات الذين يسعون إلى الاستيلاء على مقره، ويسعون، بعدئذ، إلى الاستيلاء عليه، بطرق مختلفة، للبقاء في السلطة.
كيف تتفاعل عناصر الرؤية في هذه العلاقة؟ رؤية بعينين ورؤية بعين واحدة: تحت تصرف الإنسان جهاز رؤية إثنيني، يشاهد فيه الأشياء «بينوكولار»، أي بشكل مجسم ثلاثي الأبعاد. وتحت تصرف التلفزيون جهاز يبث صوراً، مصدرها، أصلا، «عدسة» زجاجية واحدة «مونوكولار»، تسجل أشياء الطبيعة والناس، بشكل مسطح، غير مجسم.
في المرآة، يرى الإنسان بعينيه صوراً حاضرة، كما في الواقع. وفي التلفزيون، يرى الإنسان صور أشياء الواقع، المصورة بعين واحدة، في حالة حضورها وغيابها المزدوج، لكنه ينسى ـ أو يتناسى ـ وجود مرآة شاشة، تشكل الحد الفاصل بين الوهم والحقيقة، فهو لا يرى إلا صورا، يُراد له، في الأغلب، أن يراها ويتوهمها، بأبعادها الواقعية، ولا يراد له أن يتعرف إليها كما في الواقع.
يشدّد بيير بورديو، في كتابه «التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول» على أن الأشياء التي نراها في التلفزيون هي الأشياء التي يعرضها، ويتم إخفاؤها عن طريق عرضها بوساطة عرض آخر، غير الذي يجب أن تعرض فيه، أو عندما يعرض، ما يجب عرضُه، فإنه يعرضه بطريقة لا تسمح بعرضه، كما هو، وتجعله يصبح بغير معناه، أو عندما يأخذ ما يعرضه معنى ما، نتيجة لإعادة تشكيله، فإن معناه لا يعود يطابق حقيقته على الإطلاق.