كيف تقتل كتاباً

ياسر الأحمد

حين غضب سيف الدولة من المتنبي غضبته الأخيرة، رماه بدواة كانت أمامه فشجّ جبينه، نستطيع قراءة الصورة بالشكل التالي: ملك وشاعر وأداة كتابة تستعمل في مجال العنف.

ونستطيع تعديل الصورة أيضا، لتصبح كما يلي: الجمهور وكاتب وكتاب يحرق علانية.

ماذا قد نرى في الكتاب حين نحرقه؟ ماذا يمثل في التقاليد الشعبية؟، تُحضر ورقة عليها اسم شخص ما أو صورته، ثم تمزق أو تحرق أو تخزق عينيه.

الرمز هنا فاعل بشدة، ويتم تحميله بدلالات الغضب والحقد والكره في أقصى حضورها، فالحرق ينبع من التعبئة النفسية والشحن العنيف.

في تاريخنا، دمّر المغول بغداد وأحرقوا كتبها ومكتباتها، ورموها في نهر دجلة، حتى تغير لونه وصارت الكتب أشبه بالجسر، ثم ما لبثوا أن عبروا هذا الجسر إلى الحضارة ليؤسسوا دولة مهمة في الهند.

مصادرة الكتب تقليد عربي عريق، فمنذ قرر جهابذة الأدب أن ألف ليلة وليلة كتاب خطير وتنبغي مصادرته من أيدي الصغار والنساء، وحتى مصادرة الأعمال الأدبية والفكرية المستمرة في عالمنا العربي، ونحن نرسّخ خصوصيتنا، الكتاب قد يحرق إذا لم يوافق هوى بعضهم، وهذا ما حدث مع كتب للإمام الغزالي، فعلى الرغم من تشدده الديني، لم تسلم كتبه من الحرق، عندما أحرق المرابطون كتبه.

كتب ابن رشد أيضاً أحرقت في ميدان عام، لأنه يثير العامة في وقت الأزمات، وهي حجة ستتكرر كثيراً في تسويغ القمع، الطريف أن ابن رشد طرد من الأندلس، ومات ودفن في المغرب، ثم نقل جثمانه إلى الأندلس مرة أخرى، ونقلت معه كتبه فوق جمل واحد، لتوازن جسده، وتمنعه من السقوط، فكأنه انتقل بأفكاره وكتبه ليمارس حضوره في أوروبا، وقد فعل، بينما دفن أحد الأولياء في قبره الفارغ في المغرب، في عملية استبدال ذات دلالة حزينة.

هل نستطيع تفسير كراهية الكتاب، باعتباره يصير مرآة الذات لحظة القراءة، وبما يثيره من أسئلة محرجة، وما يوسعه من فراغات، فهو عامل خلخلة في البناء النفسي الساكن، ولذلك يصيب القارئ برغبة في الانتقام أو التحطيم، وهذه الرغبة تنعكس على الكتاب أول ما تنعكس، ثم تتوسع ضد كل من يقرأ هذا الكتاب.

لكن بعضهم كأبي حيان التوحيدي يحرق كتبه بيده وهو حي، والكاتب الألماني كافكا أوصى بتدمير ما كتبه بعد وفاته أيضاً.

من طرق العداء للكتاب، وهي طريقة مقبولة وممتعة، أن يتم نقض الكتاب وأفكاره عبر كتاب آخر، المحو هو الهدف في الحرق وفي النقض، لكن إحراق الكتب يلتصق بالعنف كوسيلة، بينما يكون نقض الكتاب بكتاب عملاً سلمياً، حتى إن كانت اللهجة المستخدمة عنيفة أحياناً.

هكذا لا يبدو الكتاب وسيلة معرفة دائماً، بقدر ما يقرأه بعضهم كسكين ذبح. ألم يطعن نجيب محفوظ، لأنه كتب كتاباً؟

ytah76@hotmail.com

طباعة