رواية عن الكائنات المنسية

أحمد السلامي

عندما تقرأ رواية الكاتب علي المقري «طعم أسود.. رائحة سوداء» تثق بأن لغة السرد لاتزال قابلة للتداول واستقطاب القراء، على الرغم مما يقال عن سطوة الميديا وثقافة الصورة. يقتحم المؤلف عالم السرد اللذيذ بعد عبوره بوابة الشعر، متجاوزاً عتبتها إلى الرواية بعد ثلاث مجموعات شعرية.

ينشغل مضمون الرواية بأجواء حياة المهمّشين ذوي البشرة السوداء، أو ما يعرف في اليمن بالأخدام، ويتناول الكاتب هذا الموضوع بمرونة وتشويق، يمتزجان بغرائبية التفاصيل التي يسردها لوصف حياة المهمّشين السود ومعيشتهم وألعابهم واحتفالاتهم، وغيرها من الجوانب الاجتماعية التي تبدو مقطوعة الصلة عن البيئة المحيطة بهم.

ومن يعرف الشاعر والروائي علي المقري يجد أنه ضد تأليف الكتب الفاشلة التي لا تنجح في إيصال جوهرها إلى النخبة والعامة على حد سواء. لذلك، يمكن اعتبار باكورته السردية الأولى جوابا عمليا على سؤال كهذا: كيف تكتب روايتك الأولى، وتضمن لها النجاح والانتشار في أوساط القراء؟

وبالطبع، فإن الرواية التي تجيب عن هذا السؤال الصعب ليست معنية ـ على الأقل في مضمونها العام ـ بتقديم رشوة إلى القارئ، لمخاطبة غرائزه الحسية بلغة مباشرة لا تخدم سياق السرد.

تتخذ الرواية من عقد السبعينات وبداية الثمانينات فضاء زمنياً لأحداثها التي تدور في محوى الأخدام، والمحوى تسمية متعارف عليها، وتعني المساحة التي يقطنها المهمّشون ويبنون فيها العشش وبيوت الصفيح، وعادة ما تنتشر مثل هذه التجمعات على حواف المدن الكبرى.

وتقودنا صفحات الرواية إلى عالم آخر نكتشف كم هو مَقصيّ وبعيد عن التناول السردي، ناهيك عن التعاطي الإنساني العابر. إنه عالم المهمّشين السود، ويمكن أن تسميهم الغجر وفقاً للذاكرة الثقافية في بلاد الشام وتركيا، وربما هم العبيد في عصر يستعبد بقايا المعذبين في الأرض، من دون صكوك استعباد معلنة، ويكفي أن يكون صك الاستعباد الجديد مجرد نظرة ازدراء إلى عامل النظافة الذي يكنس الشارع أويجمع المخلفات من أمام منزلك، وهم أيضاً الكائنات البشرية المنسية، تلك التي نتغافل عن الإحساس بعذاباتها، رغم أن أفرادها ليسوا كائنات خفية، وليسوا ببعيدين عن حياتنا اليومية ومشاهداتنا البصرية.

يتعامل المؤلف مع موضوع الرواية بذكاء شديد، إذ يلجأ على لسان الشخصيات إلى تشريح عدد من المقولات والأحكام التي تختزنها الذاكرة الشعبية وتفكيكها، والتي لاتزال تروّج لاحتقار ذوي البشرة السوداء وكل ما يرمز إلى السواد.

وختاماً يمكن القول إن ندرة الإنتاج الروائي في اليمن ستجعل هذا العمل يحتل مكانة لائقة في المشهد السردي العربي الجديد، وفي المشهد اليمني الذي يتقاسم علاماته كتاب راحلون، كان لهم فضل الريادة والتأسيس، إلى جانب الأسماء الجديدة التي تبني اشتغالاتها السردية بالاتكاء على إرث روائي متواضع، تقابله فضاءات اجتماعية غنية وخصبة للكتابة لم تمسّ من قبل، الأمر الذي يجعل الاشتغالات السردية للجيل الجديد لا تبدأ من حيث انتهى الأقدمون، بل من حيث لم يبدأوا بعد.

slamy77@gmail.com

طباعة