أصداء من القاهرة

أحمد السلامي

تعيش القاهرة هذه الأيام أجواء ثقافية مشحونة بالجدل، لكنه جدل خلاق بوسعه أن يفضي إلى تحريك الركود في المشهد الثقافي العربي برمته، والأهم من ذلك أن المضمون العام لحوارات المثقفين في قاهرة المعز يدور حول إعادة النظر في التعويل على المؤسسة الثقافية الرسمية التي فشلت حتى الآن في لعب دور محايد وغير منحاز لجيل أدبي ضد آخر.

وللقاهرة في وجدان المثقف العربي مكانة خاصة تجعلها جديرة بالتأسيس لفعل ثقافي عربي جديد، لذلك يحسب لشعراء الثمانينات والتسعينات في مصر أنهم توقفوا عن التذمر تجاه الإقصاء الذي تمارسه الأجيال التي سبقتهم بالتحالف مع المؤسسة الرسمية، إذ لم يكتفوا هذه المرة باستهجان استبعادهم من المشاركة في ملتقى القاهرة الدولي للشعر، وعملوا على إحياء فعالية أخرى باسم الملتقى الأول لقصيدة النثر.

لقد كنت شاهداً على نجاح هذا الملتقى الذي اكتسب إلى حد ما بعداً عربياً رمزياً، وتحررت منصته من الارتهان للخطاب الرسمي وملحقاته، ومن نتائج هذا الحدث أنه كشف للمتابع التعدد والاختلاف الأسلوبي الذي تتيحه قصيدة النثر في تجارب الشعراء، بل إن هذا التعدد يظهر كذلك دخل تجربة كل شاعر، وبالطبع فقد كان الحضور العربي في الملتقى هامشياً، قياساً بعدد الشعراء المصريين، لذلك تحول الحدث إلى مختبر لاستشراف أجواء قصيدة النثر في مصر، ولعل القاسم المشترك في تجارب شعرائها هو استضافة السرد بجرعات كبيرة والتعويل على شعرية كلية يختزنها النص بعيداً عن شعرية الصورة الجزئية، لكن السرد المجرد قد يذهب بالنص أحيانا إلى منزلقات الحكي العابر.

أما الجلسات النقدية التي تخللت الأمسيات الشعرية فقد بالغت في التنظير لمشروعية قصيدة النثر، في حين يفترض أن هذه الجزئية لم تعد محل نقاش، وينبغي أن تتجه الأوراق النقدية في المهرجان المقبل نحو مقاربة القصيدة وليس البحث عن مشروعية الشكل.

في المقابل اختتم الملتقى الرسمي فعالياته بمنح جائزته للشاعر الكبير أحمد عبدالمعطي حجازي، ولم يختلف الشهود العرب والشعراء في مصر على أحقية حجازي بهذه الجائزة أو غيرها، لكنهم يرون أن في الأمر ما يدعو إلى الاستغراب، لأن الفائز بالجائزة يترأس اللجنة التحضيرية للمهرجان.

وللشاعر اليمني عبدالكريم الرازحي وجهة نظر حول الصراع بين الأجيال الشعرية، إذ يرى أن الخلل يكمن في غياب التداول السلمي للمايكرفون، ويبدو رأي الرازحي ساخراً وهو يختزل الصراع في هذه الجزئية، لأن النقاد يعتبرون أن الخلاف بين الأجيال يتعدى اللهث وراء الصعود إلى المنصات.

وباعتقادي أن الدافع لتنظيم ملتقى عربي لقصيدة النثر ينبغي أن يتجاوز الطبيعة الانفعالية، وأن يتحول من رد فعل على المؤسسة الرسمية إلى ملتقى سنوي لا يلغي المهرجانات الأخرى ولا ينهض على حسابات شخصية.

وأخيرا فإن اكتساب البعد العربي أو الدولي لأي مهرجان لا يتحقق من خلال الحضور الشكلي لأسماء قد لا تكون تجاربها كافية لتمثيل المشهد الشعري في بلدانها.

slamy77@gmail.com

طباعة