ألوان العشق

ياسر الأحمد

قصير عمر العشق كأعمار الطغاة، وجميل كصوت شلال، وعنيف كوحش، وخفيف كلص عابر، وماذا بعد؟

يستطيع كل منا أن يقول إن تجربته في العشق نادرة، لا تشبه تجارب الآخرين، فالإنسان لا يستنسخ تجارب غيره في العشق ولا يستفيد منها، كل عاشق يرى أنه خلاصة الحب ومثاله الكامل.

لكن لماذا نقدم قراءة مختلفة للعشق كل مرة ؟ ولماذا نتخيل أننا سنختلف عمن سبقنا وسنحقق الحالة العشقية الصافية؟ لماذا يتخيل العاشق أنه صورة الكمال وأن معشوقه صورة الجمال؟

يرغب العاشق بكسر النمط السائد، فيقدم عن نفسه وعن معشوقه صورة زاهية وكاملة، تقترب من صورة الابن في عيني أمه، وتحاول أن تشبهها في العطاء بلا حدود ومن دون توقع ثمن.

للعشق علامات تظهر في حركات الجسد والتغيرات التي يلاحظها الآخرون من دون أن ينتبه لها العاشق، وهذا ما أشار له ابن حزم في «طوق الحمامة»، فهو يتحدث عن علامات العشق وطرق العشاق في إظهارها وإخفائها، فالعشق يجلب الشوق، والشوق يظهر على العاشق في تشتت الفكر والنسيان والرجفة وكثرة التلفت والتعرق والاضطراب، وهذه كلها أمور مشاهدة كما يقول.

ولأن العشق مرتبط بالجسد، فهو مرتبط بالمتعة والتواصل الجسدي، ولذلك رأينا تياراً في الشعر العربي يمثله أبو نواس، يقدس رغبات الجسد ويعتبرها آخر أمنيات العاشق وأصدقها، ولو بحثنا عن مفردة العشق في القاموس لوجدناها مشتقة من شهوة الناقة الشديدة، فأبو نواس بهذا المعنى لا يبتعد كثيراً عن مراد العرب عندما أطلقوا اللفظة على العلاقة بين الرجل والمرأة.

لكن هذا ليس الوجه الوحيد فهناك تيار آخر قوي ولد بعد الإسلام، وضع العشق في إطار وجداني صوفي، ومثله شعراء العذرية المعروفون كجميل بثينة الذي يقول إن حديثه معها هو غاية ما يتمناه ليتحقق كمال عشقه، والشعراء المتصوفون مزجوا بين العشق وفكرتهم عن التوحد بين طرفين، فالسري السقطي يقول في عبارة دالة تلخص نظرته للعشق «لا تصح المحبة بين اثنين إلا عندما يقول أحدهما للآخر: يا أنا»، وهذا يعني أن الجسدين اتحدا ليصبحا تعبيراً واحداً وتلاصقاً كاملاً، فاندماج الجسدين المطلوب من المتصوفة هو أعلى درجات سلم العشق، والمتصوفة أيضاً رمزوا للحب بالكأس متلاقين مع أبي نواس في خمرياته، ولكنهم ذهبوا مباشرة إلى الذات الإلهية، بينما اكتفى النواسي بذاته. ولعل من أهم نتائج الحب أنه يغير العاشق إلى الأبد، فلا عاشق بقي كما كان قبل الحب، العشاق يخوضون حروبهم ومعاركهم، ويغيرون حياتهم وحياة من حولهم، فأنطونيو غير بحبه لكليوباترا وجه التاريخ، خسر معركته العسكرية واكتفى بالعشق غنيمة النصر.

ولكن العشق في صورة من صوره يعبر عن تبرّم بالواقع السائد ورغبة في تغييره وقصص العشق العذريين تصف ذلك، فالعاشق يُحرم من فتاته لأسباب اجتماعية، بينما يزوجها أهلها لرجل موسر.

ليبقى العاشق شعلة تحرق كل من يقترب منه، وكل من يظن أنه بمنجاة منه.

 

ytah76@hotmail.com

طباعة