عالم الأعمال وعالم الإجرام

    جورج فهيم

    الدراما الإنسانية التي كشفت عنها محاكمة الملياردير الأميركي، برنارد مادوف، أو «اللص الذكي»، تؤكد أن ثقافة الاحتيال ستكون العنوان الرئيس، باعتبارها واحدة من أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية، وربما لا تقل في خطورتها عن وباء البطالة، وكارثة الركود، وأزمة نقص السيولة، ومصيبة تراجع معدلات النمو.

    فعلى مدار عقود كاملة، استطاع هذا اللص الذي يبدو بشعره اللامع وربطة عنقه الأنيقة كنجوم صناعة السينما في «هوليوود» أن يستولي على أكثر من 65 مليار دولار، من دون أن يكتشفه أو يشك فيه أحد، وبعض ضحاياه- وما أكثرهم- كانوا من أفراد أسرته وأعز أصدقائه، وبعضهم الآخر كان جمعيات خيرية تنفق على المرضى والأرامل والأيتام، وصناديق معاشات أراد أصحابها أن يضعوا تحويشة العمر بعيداً عن عبث اللصوص ونخر السوس، لكنهم اكتشفوا أنهم أعطوا الصندوق والمفتاح للص الذي يتخفى في ثياب الحملانّ!

    وبالطبع، فإن مادوف ليس مجرد ظاهرة أميركية، وإنما هو شخصية عالمية توجد في مختلف الدول تحت أسماء مختلفة، فهو إمبراطور الألمنيوم الروسي ابراهيموفيتش، وهو اللص الهندي الظريف راستجواي الذي باع الترام للبنوك، وهو حوت توظيف الأموال المصري «الريان».

    وبكل تأكيد، فإن حالة برنارد مادوف تجسيد حي للأجواء التي قادت العالم إلى الأزمة الاقتصادية المستحكمة التي نعيشها اليوم، والتي سمحت لهذا اللص وأمثاله بأن يعيشوا أساطير ألف ليلة وليلة على عرق الأجراء وأموال اليتامى والأرامل، وأن يبيعوا ما لا يملكون، ويستحوذوا على ما لا يستحقون، ويكدسوا الأرباح على الورق، وممارسة جميع أنواع المعاملات الوهمية والصفقات غير الشرعية عن طريق السرقة والكذب والتزوير وخيانة الأمانة، وفي النهاية تبخرت القصور والقلاع التي شيدوها على الرمال في لحظة.

    وبكل تأكيد أيضاً فإن مادوف لم يكن ليستطيع أن يفعل كل ما فعله من شرور وآثام لولا وجود جيش من المحامين والقانونيين والمحاسبين والمراجعين والخبراء والاستشاريين والمصرفيين الذين يعملون من خلف الستار ويدلونه على الثغرات والأبواب الخلفية، وطالما ظل هؤلاء طليقين من دون حساب أو عقاب ستظل العدالة مدهوسة بالأحذية، وسيشعر مادوف ومن هم على شاكلته أنهم يستطيعون أن يفلتوا بجرائمهم، وستضيع الحدود الفاصلة بين عالم الأعمال وعالم الإجرام.

    شيوع ثقافة النصب والاحتيال ليس معناه أن أخلاق وقيم عالم «البزنس» تغيرت بين عشية وضحاها، لكن معناها أن بعض صغار النفوس سيجدون في الاحتيال والنصب وسيلة بديلة لصنع الثروات سريعاً، والتوقف عن سداد مستحقات الغير، بدعوى نقص السيولة وشح الائتمان واستفحال الركود، وهذه الفئة من رجال الأعمال التي تعتنق مبادئ الفهلوة وخفة اليد والمغامرة واقتناص الثغرات تمثل خطراً داهماً على جهود وقف تداعيات الأزمة العالمية، واستعادة الثقة بالأسواق.

    georgefahim_@hotmail.com

    طباعة