«بزنس القمامة»

    جورج فهيم

    «القمامة» التي نلقي بها كل يوم بغير اكتراث أصبحت اليوم قضية ساخنة للمناقشة على جدول أعمال السياسة الدولية، والفضل في ذلك يرجع إلى الأزمة الاقتصادية العالمية، التي فرضت على الجميع أن يفتشوا في دفاترهم القديمة للبحث عن وسائل لخفض النفقات وإنتاج سلع أرخص قادرة على المنافسة، وبالتالي رُد للقمامة اعتبارها كمصدر رخيص للمواد الخام التي يعاد تدويرها.

    وعندما نتحدث عن النفايات أو القمامة فإنها ليست فقط مصدراً محتملاً للمواد الخام، بل أيضاً بفضل التقدم التكنولوجي أضحت مصدراً للطاقة والسماد والكيماويات والأسمدة، وأصبحت هناك دول مثل الصين والهند والبرازيل تجوب العالم لشراء قمامة الشعوب المتخلفة، وتعيد تصديرها لهم في صورة سيارات وتلفزيونات وملابس، وكل شيء يمكن أن يخطر على البال.

    وللأسف الشديد فإننا مازلنا أسرى للنظرة التقليدية التي تنطلق من أن النفايات شيء لا قيمة له، مع أن الأرقام والحقائق تقول عكس ذلك، فوفقاً لمؤسسة «سيكل أوب»، وهي مؤسسة فرنسية متخصصة في أبحاث إعادة التدوير، فإن العالم ينتج يومياً أكثر من 100 مليون طن من النفايات، وتنفق الدول الغنية أكثر من 270 مليار دولار على جمعها ومعالجتها، وحسب قائمة مجلة «فوربس» لأهم 500 صناعة عالمية، تحتل صناعة جمع القمامة المرتبة ،181 ويصل الإيراد السنوي لشركة واحدة هي «هيوستون ويست مانيجمنت» إلى أكثر من 14 مليار دولار.

    ومن المفارقات أن رجال الإجرام كانوا أسرع من رجال الأعمال في إدراك أهمية بزنس القمامة، وعصابات المافيا من إيطاليا إلى تايوان ومن شيكاغو إلى شنغهاي، تسيطر على عمليات جمع القمامة التي أصبحت الآن معامل لإنتاج المليونيرات الجدد بقدر ما كانت الصناعة والتكنولوجيا معامل لإفراز المليونيرات في الماضي.

    وفي الحقيقة، فإن العالم كان سيصل إن عاجلاً أو آجلاً إلى هذه المرحلة، سواء بالأزمة الاقتصادية أو من دونها، لأن البشرية تعيش على أعتاب عصر «مجاعة الموارد»، بعد أن استنفدت كل كنوز كوكب الأرض تقريباً، وأصبحت حسب تقديرات الصندوق العالمي للحياة البرية بحاجة إلى كوكبين بحجم الكرة الأرضية لمواصلة معدلات الاستهلاك الجنونية.

    وبعبارة أدق، فإن القمامة أصبحت عنصراً أساسياً في معادلة الإنتاج والاستهلاك، وأي شركة تقوم بإنتاج سلعة، عليها الآن أن تضع في اعتبارها أن سعر السلعة يجب أن يتضمن تكلفة التخلص منها بطريقة آمنة بعد انتهاء عمرها، كما أن المستهلك عليه أن يفاضل الآن بين السلع الموجودة في السوق على أساس كم سيتكلف للتخلص منها، وهذا هو العالم الجديد الذي نعيش فيه الآن، سواء أدركنا ذلك أم أخفينا رؤوسنا في الرمال.

    ولا أبالغ إذا قلت إن نظرتنا التقليدية للقمامة تحول دون فهمنا للتطورات التي يمر بها العالم، وتجعلنا ندور في حلقة مفرغة، فمن دون الحفاظ على البيئة سيتغير مناخ الكون وسنعجز عن تحقيق التنمية المستدامة، ومن دون إعادة التدوير لا توجد تنمية مستدامة، وإعادة التدوير تستلزم أن نمنح كل الاهتمام إلى القمامة!

    georgefahim_63@hotmail.com

    طباعة