العنصرية الاقتصادية

    جورج فهيم

    تتعدد أشكال العنصرية، فإضافة إلى العنصرية السياسية والفكرية والعرقية التي عرفها العالم طوال عصور وحقب عديدة، تطل علينا الآن موجة جديدة من العنصرية الاقتصادية التي أفرزتها الأزمة الاقتصادية العالمية، والتي تدفع الدول والحكومات إلى التمييز ضد صادرات الدول الأخرى واستثماراتها، لحماية أسواقها ووظائفها ومواطنيها.

    وبعبارة أدق، فإن عمق أزمة الركود الاقتصادي والغموض الذي يحيط بكيفية الخروج منها وموعد انتهائها، أدت إلى تغليب منطق الحلول الفردية على منطق الحلول الجماعية، وأطلقت موجة من التدافع المحموم للخروج من الأزمة، بالصعود على أكتاف الآخرين، والتركيز على النظرة القصيرة الأجل بدلاً من التركيز على النظرة الطويلة الآجل.

    ومن الغريب أن الدول التي كرّست حياتها في الماضي للتبشير بفضائل العولمة والانفتاح والتجارة الحرة هي اليوم الدول نفسها التي تتنكر لقواعد التجارة الحرة والانفتاح والعولمة، بل وتشهر سلاح الحماية والدعم والإغراق والحصص والرسوم الإدارية والجمركية، لعرقلة تدفق السلع والخدمات إلى أسواقها، ضاربة عرض الحائط بقواعد منظمة التجارة العالمية التي كانت قبل وقت قليل دستوراً مقدساً.

    ولنأخذ على سبيل المثال صناعة السيارات التي أصبحت من أشد القطاعات تأثراً بالأزمة الاقتصادية، بعد القطاعين المالي والعقاري، فهناك الآن عشرات الدول وفي مقدمتها أميركا، اليابان، الصين، الهند، إيطاليا، فرنسا، السويد، روسيا، الأرجنتين، البرازيل، أستراليا، كندا، تضع خططاً عجلى لتقديم الدعم لإنقاذ صناعة السيارات المنهارة لديها بشرط واحد، هو أن تتم عمليات الإنتاج على أراضيها وباستخدام قطع غيار محلية من موردين محليين، ومن لا يريد الالتزام بهذه الشروط، ليس له نصيب في كعكة الدعم.

    وما ينطبق على صناعة السيارات ينطبق على قائمة طويلة من الصناعات الأخرى، بدءا من صناعة الفولاذ، مروراً بصناعة أشباه الموصلات والمنسوجات، بل وحتى صناعة الألبان، وهذا الكابوس هو أسوأ ما يمكن أن يحدث للاقتصاد العالمي الذي سيفقد إنجازات ثلاثة عقود من حرية انتقال رؤوس الأموال والسلع والعمالة، بل وسيؤدي أيضاً إلى زيادة كبيرة في كلفة إنتاج السلع والخدمات يدفعها المستهلك من جيبه، فضلاً عن أن القدرة التنافسية للدول ستصاب بضمور حاد.

    وليس هناك شك في أن الدول النامية هي الخاسر الأكبر في هذه الأزمة، فهي من ناحية تعتمد على تصدير منتجاتها من المواد الخام إلى أسواق الدول المصنعة، وهي في الوقت نفسه لا تستطيع توفير المستوى نفسه من الحماية الذي توفره الدول المتقدمة، وفوق هذا وذاك لا تستطيع أن توفر التمويل اللازم لتمويل التجارة الخارجية التي زادت كلفتها ثلاث مرات وفقاً لتقديرات منظمة التجارة العالمية.

    هذا الهوس الاقتصادي العنصري الذي سيغذي ويترافق مع الأشكال الأخرى للتمييز العنصري، يتردد على أفواه الكثير من السياسيين الذين يرغبون في حلول سريعة تحفظ ماء وجوههم، حتى لو أدى ذلك إلى الضرب عرض الحائط بآراء خبراء الاقتصاد الذين يقولون إن ميزان المزايا والعيوب بين الحماية والتجارة الحرة هو « 1 إلى 100».

     

    georgefahim_63@hotmail.com

    طباعة