الفساد.. الثقافة والمقاومة

ياسر الأحمد

{وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون}

«قرآن كريم».

كثيراً ما نصادف في كتب التاريخ العربي أن يقوم الحاكم بمعاقبة أحد عماله بعد عزله، فيسجنه وينكل به ثم يطالبه بأداء الأموال التي اختلسها من بيت المال، ويحدث أن يستصفي منه مبالغ كبيرة ويصادر أملاكه وقصوره وعبيده. وهذا صورة مشابهة لما قد يحدث اليوم، من محاسبة في قضايا الفساد المالي.

لكن لماذا ينشأ الفساد؟ومن يدعمه ويوفر له طرقه الملتوية وهل تتحمل النخبة الثقافية جانباً من المسؤولية؟ تلك أسئلة عريضة بحجم وطن ربما.

تكمن المعضلة الأهم في أن الناس العاديين في عالمنا العربي لا يهتمون كثيراً بتحقيق التحول الديمقراطي، ولا بتوفّر الحريات العامة في إطاراتها الشخصية والعامة، بل لربما رفض الكثير منهم الديمقراطية والحرية تحت حجج كثيرة مستمدة من تاريخ قمعي عريق، وفي سيادة عقلية خاضعة يسهل دعم الفساد وتوفير المخارج القانونية له، وخصوصا عبر مافيا الإعلام والدعاية المنظمة والقوية، فوسائل الإعلام تسكت عن الفساد وتنصرف عن طرح قضاياه إلى تناول هوامش قد لا تكون مفيدة دائماً، حتى إن بعض وسائل الإعلام لا تجد غضاضة في الدفاع عن الفساد تحت شعارات تحسين وضع المواطن والاقتصاد الحر.

لكن القضية الأكثر خطراً على الضمير الوطني تتلخص في التبرير للفساد ثقافياً وتسويغه بحيث يصبح الفساد عنصر نخرٍ في البنية الأخلاقية للمجتمع وتصبح مقاومته عملاً جنونياً ومستهجناً ودليل «دروشة» أو علامة من علامات البرج العاجي، وكأن قدر الفساد أن يصبح هو قمة السلم الأخلاقي بدلاً من أن يتستر خوفاً من المساءلة القانونية، ويأتي هذا التبرير الثقافي لأن بعض المثقفين اختاروا مواءمة الثقافة مع حالة الفساد العامة.

ولكن هذا الفساد ليس قدراً محتوماً كالموت، وليست مقاومته عملاً انتحارياً ضد جدار من الصوان، فالكثير من الدول تحاول مقاومته والتخفيف منه، وعياً منها بأنه جزءٌ من الدورة الاقتصادية أحيانا، ولنشارك في مقاومة الفساد يتعين علينا فهم دور الدولة والقطاع والخاص في الترويج للفساد أو في مقاومته.

فالدولة كجهاز كبير مترهل تسهم في حضور الفساد، خصوصاً عندما يغيب القانون الرادع، وعامة تسود نظرة تجعل بيئة العمل في جهاز الدولة خلاصة الفساد والأداء السيئ في العمل، بالرغم من مساهمة الدول التنموية الكبيرة في الكثير من الحالات، ولأن الدولة تمتلك الشرعية فهي الأقدر على التصدي للفساد والدفع به إلى قاعات المحاكم، بدلاً من غرف الصفقات المغلقة.

إذن نستطيع مقاومة الفساد بتوفر الشفافية والوضوح في عمل مؤسسات الدولة، وتوفر التنمية الاقتصادية والسياسية والثقافية المناسبة، والمساءلة القانونية الدائمة.

ولا غرابة إذا كانت دول العالم الثالث مرتعاً للفساد، فمدير البنك الدولي اتهم بقضية فساد، وهذه أموال العراق ضاعت وبددت عشوائياً في قضايا فساد كبيرة أيضا، وجزء كبير من الأزمة المالية الحالية يعود لفساد ذمم كبار مديري البنوك ومحافظ الاستثمار.

فأين تذهبون ؟

 

ytah76@hotmail.com  

طباعة