أكثر من فجوة

أحمد السلامي

يتخصص بعض المفكرين العرب في الحديث والكتابة بإسهاب عن الفجوة الحضارية بين العالم العربي والغرب، وهناك من يختزل الاشكالية من زاوية معاصرة بالحديث عن الفجوة الرقمية، وكأن مشكلات الانسان العربي قد حلت جميعها ولم يتبق أمامه سوى تدريب أصابعه على نقر أزرار الحاسوب.

وثمة آخر يرى ان الحوار الايجابي بين الحضارات كفيل بتغيير الصورة النمطية التي تكونت لدى الغرب تجاه العرب والمسلمين. ويبدو أن المهتمين بحوار الأديان والحضارات لم يستيقظوا في هذه المرحلة المتأخرة ليردوا على افتراءات المستشرقين ذوي الميول العدائية، كما ان الأجواء الرسمية التي تكتنف مجريات الحوارات الطازجة تشير إلى انها استجابة لأحد متطلبات ما بعد أحداث 11 سبتمبر.

وتدور مجمل هذه الاطروحات حول ثنائية الأنا بموازاة الآخر وما بينهما من فجوات متعددة في توصيفها ومنطلقها للبحث عن الحل، وبالطبع فإن الحل هنا بيد الغرب النموذج، فيما يتم تجاهل الحوار مع الذات خشية الصدام مع مكوناتها ومرجعياتها.

والحاصل أن محاولة ردم الفجوات بيننا والغرب تأتي على حساب تأجيل الاعتراف بالتعدد والتنوع الذي يتكون منه الجسد العربي.

وتبدو المسألة هنا وكأنها مجرد سباق لاحصاء ما لا يحب الغرب أن يراه أو يسمعه منا، بينما ندع مهمة احصاء مثالب الغرب لعامة الناس ورجال الإعلام الذين يقومون أثناء الأزمات بدور امتصاص الصدمة والسماح للجماهير بالتعبير عن عواطفها، كما حدث خلال العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة.

لكن السؤال الآن هو لماذا لا نجرؤ على إحصاء الفجوات التي تفصلنا عن ذواتنا أولاً؟ فلدينا كثير من الأوهام والصور التي نرسمها لأنفسنا، وعلى سبيل المثال، حين نتأمل في مشروع الحداثة بالمعنى الشامل للمفهوم، نجد أن حداثتنا العربية شجرة وارفة الأغصان غزيرة الرؤى، لكن ثمارها لاتزال نخبوية وتجسيداتها لا تتجلى سوى في انتاج أدبي يحيل الحداثة إلى نبتة معلقة في الهواء، لم تتمكن حتى الآن من غرس جذورها في تربة المجتمع وأنماط التفكير والتلقي والممارسة الحياتية.

وثمة فجوات أخرى تتصل بارتهان النخبة المثقفة لمنظومة الواقع الذي تعيش فيه، سواء من جهة سطوة البيئة الاجتماعية التقليدية على المثقف او من جهة عجزها عن توفير الامكانات المادية التي تعينه على الاخلاص والتفرغ لابداعه. وعلى ذكر الفجوات، يقول المؤرخون إن انهيار سد مأرب في اليمن حدث بسبب فأر خبيث ظل يحفر في جدار السد إلى ان أحدث فجوة صغيرة، ولم يسارع القوم إلى ردمها، بل تجاهلوا نصائح وتحذيرات حكمائهم إلى ان انهار السد وحلت الكارثة بأهل سبأ.

وفي الثمانينات من القرن الماضي، تبنى حكيم العرب الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إعادة بناء السد التاريخي، وكأنه بمبادرته تلك أراد أن يجعلنا نستعيد حكايات السد القديم لنستلهم منها ما يحثنا على ترميم الفجوات الجديدة التي تتسع في الأرواح والعقول.

 

slamy77@gmail.com

طباعة