دبي بين شماتة وحسد

باسل رفايعة

من الطبيعي أن تتأثر دبي بالأزمة المالية العالمية. والتبشير بانعكاسات الأزمة المالية عليها في سياق شامت أو حاسد لا يعني سوى أن الذين عجزوا عن مجاراة هذه المدينة العالمية أو محاكاتها يسعون إلى مزيد من التصحّر الحضاري والاقتصادي في الخليج العربي، ولا يريدون نموذجاً تنافسياً عالمياً بحجم دبي، وبمفاعيلها الحديثة في منطقة تنتمي إلى العالم الثالث.

ثمة في شرقنا الأوسط، وفي خليجنا تحديداً دول لم تصدق على مدى السنوات الماضية صعود دبي ونضوجها. ولذلك تجاهلت صحافتها النكسات والخسائر التي تعاني منها دول عظمى، وأخذت تركز على تأثيرات الأزمة في العقار والبنوك والسياحة في دبي، وفي إطار لا يستخدم المعلومات بقدر الأمنيات، ولا يرتكز إلى مصادر رسمية أو مستقلة، وإنما إلى تكهّنات وشائعات، وأقاويل يتداولها العامة، باعتبارها حقائق دامغة. وكل من يقرأ تقارير صحافية صادرة من إسرائيل أو بعض الدول الخليجية والعربية يتهيأ له أن غالبية سكان دبي فقدت وظائفها، وأن المواطنين فيها باتوا في ضنك معيشي شديد، في حين أن المقيمين يتحيّنون الفرص لمغادرة المدينة إلى بلدانهم أو إلى مناطق جذب أخرى لم تطلها الأزمة المالية، وكأن هناك مكاناً على الأرض بمعزل عن تلك الأزمة!

لقد تفوقت دبي في الأعوام الثلاثة الماضية سياحياً على دولة مثل إسرائيل ظلت عقوداً تحتكر السياحة القادمة من أوروبا، وباتت الإمارة بفضل المنتج المتنوع والترويج الذكي وجهة متقدمة للسياح، ومن الطبيعي أن تبادر الصحافة الإسرائيلية إلى نشر تقارير، تنقصها المهنية والصدقية عن نتائج الأزمة العالمية في دبي. لكن إسرائيل في نهاية الأمر دولة معادية، وتنظر إلى دبي، بصفتها منافساً حقيقياً في الشرق الأوسط، سياحياً واستثمارياً.

غير أنه من المستغرب أن نجد في صحافة عربية وخليجية مقالات و«تقارير» مصدرها الوحيد هو الكذب في الحديث عن آثار الأزمة، ذلك أنها لا تتحدث عن شركات عقارية أعلنت عن خطط تقشّف وضغط للنفقات، ولا عن تأثّر القطاع السياحي بتراجع الإنفاق عالمياً، ولا عن انعكاسات طبيعية تعاني منها دول العالم كافة، وفي مقدمها الولايات المتحدة الأميركية.

الصحافة في هذه الدول تتحدث عن مئات الآلاف من الموظفين الذين خسروا عملهم، وعن الاستثمارات الضخمة التي توقفت فجأة، وعن المطاعم والأماكن السياحية الخاوية على عروشها، وعن البنوك المفلسة.. وآلاف السيارات التي تركها أصحابها في المطار، وسائر الخرافات التي يعرف من يعيش في دبي أنها مدفوعة بحسد البعيد والقريب، وأن الواقع ليس بهذا السوء والانهيار.

ما يحدث في دبي لا يختلف عن ما يحدث في سائر دول العالم، بل إنه على نحو أقل ضراوة وضرراً، وتقتضي العدالة والمصداقية ألاّ يكون الانتقاد محصوراً بدبي، إلا إذا كانت الأزمة الاقتصادية فرصة لكشف المسكوت عنه وإشاعة الشماتة في غير مكانها، بحيث لا تفيد الشامت، ولا تؤثّر في رسوخ دبي وتجربتها المتفرّدة في المنطقة والإقليم.

فمن المفترض أن بقاء الإمارات، وخصوصاً دبي بؤرة جذب وتنافسية يحقق مصلحة عربية، ويزيد من الإمكانات والفرص المستقبلية. وما عدا ذلك فدبي لديها طاقة مكان مختلف قادر على التكيف والبقاء أطول كثيراً من شماتة قليلة الحيلة، أو حسد قاصر!

 

baselraf@gmail.com

طباعة