العدسة ولغة الريشة

أحمد السلامي

يشهد فن التصوير الضوئي على يد الفنانين الشباب في الخليج والإمارات تحولاً جذرياً على صعيد رؤية الفنان للمشهد البصري، باعتباره مجالاً خصباً للارتقاء بالفن الفوتوغرافي إلى فضاء التشكيل.

ذلك لا يعني تجريد فن التصوير من خصوصياته التقنية واستثماره لخبرة الفنان وحريته في الحركة لاختيار الزمان والمكان المناسبين للتصوير، لكن التحول الذي أقصده هنا يبدو شبيهاً بتداخل الأجناس في الأشكال الأدبية المكتوبة.

وفي المقابل، نجد الآن في أعمال المحترفين لفن التصوير الضوئي حالة من التماهي بين الصورة الفوتوغرافية واللوحة التشكيلية باتت تغلف أداء العدسة والفنان الذي يقف خلفها.

وبمزيد من التأمل، نلحظ كذلك وجود ملمح تركيبي في بعض الأعمال، الأمر الذي يجعل الفنان لا يرتهن للمشهد الواقعي كما تراه العين الشاردة في كسلها، بل إنه أصبح يتحكم في تفاصيل اللقطة التي يقرر اقتناصها، سواء أثناء مرحلة المونتاج عبر استخدام الحاسوب والبرامج التي تختص بمعالجة الصورة (كما في بعض أعمال الفنانة أحلام الأحمد والفنان حمد بني إياس)، أو عبر التحكم بالمشهد وتفاصيله الصغيرة، قبل ان تطلق آلة التصوير شعاعها لتأطير ما يرى الفنان انه يعبر عن فلسفته وتصوراته الذاتية لإعادة ترتيب الوجود الفيزيائي للأشياء، بما يتناسب مع مضمون الرسالة التي يرغب في إيصالها إلى المتلقي.

وقد نجد في الملمح التركيبي الذي تتصف به بعض الصور أكثر من رسالة في آن واحد، تتقاسم جميعها الدلالات الشعرية الميتافيزيقة التي يضفيها الفنان على تفاصيل المشهد، إلى جانب اشتراكها في التعبير عن مضمون بصري لم يتنازل نهائياً عن اللغة المباشرة.

في هذا الملمح، يتجه الفنان إلى تحديد مكونات اللقطة سلفاً، وحشد الرموز التي تمثل مجتمعة مفردات قابلة لتكوين فكرة مرئية (كما في أعمال محمد البراهيم وزينب الستراوي).

ويوماً بعد آخر، يعمل الفنانون في الخليج والإمارات على إزالة المسافة الفاصلة بين التشكيل والتصوير، كما يمكن أن نقرأ في أعمالهم ما يومئ إلى اتجاه جماعي نحو تكثيف المشهد البصري والتعامل مع العدسة بوصفها أداة لتخليد جزئيات ذات معنى، وتقترب العدسة أكثر لتصبح معادلاً للمخيلة الفردية في يقظتها وأحلامها ولتتحد برؤية الذات الإنسانية لمحيطها، وهذا هو ما يجعل الصورة الضوئية زاخرة بالحياة وعاكسة لانفعالات ودهشة صاحبها أولاً ومتلقيها ثانياً.

وحتى حين يلتقط الفنان مشهداً يبدو لنا في الوهلة واقعياً، فإن اعتبارات الضوء والظل وانعكاساتهما على المشهد المصور تمنح العمل أبعاداً تتسق مع رؤية الفنان الجديد لوظيفة التصوير الفوتوغرافي التي باتت تتجاوز التوثيق، وتنأى بالعدسة عن المشاهد الطبيعية المفتوحة.

 

Slamy77@gmail.com

طباعة