عض السعادة

ياسر الأحمد

«وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب» قرآن كريم

تحكي أسطورة صينية أن سيدة فقدت ولدها الشاب فحزنت حزناً شديداً، وزارت حكيماً ليعيد لها ولدها الميت،فطلب منها أن تجلب عشبة معينة من بيت في القرية لم تدخله الأحزان قط، وفي أثناء جولتها بين البيوت اكتشفت أن لكل بيت قصة حزن مدفونة خلف أبوابه، وحاولت مساعدة كل بيت بما تستطيع فكانت النتيجة أنها نسيت العشبة المطلوبة ونسيت وفاة ابنها، وعادت للحكيم لتخبره أنها تشعر بالسعادة القصوى حين تساعد الناس.

وأبو فراس الحمداني يقول: وليت الذي بيني وبينك عامــــــــــر / وبيني وبين العالمــين خراب. فمنتهى سعادته أن ترضى عنه حبيبته وليأتي الطوفان ثمناً لسعادته، وهو بذلك يعاكس الوصفة الصينية السابقة. وهنا تبرز رؤيتان للسعادة، ترى أولاهما أن السعادة عمل جماعي يقترب من فكرة الخلاص الجماعي التي تتحدث عنها الأديان، وأصحاب هذه الفكرة يمارسون الحياة الاجتماعية باعتبارها نفياً للأنانية من دواخلهم، ويحاولون أن ينصهروا في مجتمعهم من دون أن يهتموا بأن يغيروه ولا بأن ينتقدوه، وهي رؤية يصح وصفها بالسعادة الساكنة الهادئة الرتيبة، ولكن المشاركة مع ذلك.

ولكن آخرين يختارون قدراً آخر ليحققوا سعادتهم، فهذا الشاعر الفرنسي رامبو ينطلق خارج فرنسا ليغامر ويكتب ويعيش حياة صاخبة بحثاً عن السعادة. وهذا المتنبي ينتقل من بلد إلى بلد ومن سفر إلى سفر حتى «كأن الريح تحته» ـ كما يقول ـ بحثاً عن السعادة أو ربما عن السلطة التي ستحقق سعادته.

ولكن هؤلاء الناس المترعين بالقلق لا يحققون السعادة أبداً،فتكوينهم وطريقة تفكيرهم تجعل السعادة حلماً مستحيلاً.

والفلاسفة أيضاً بحثوا عن السعادة طويلاً فهذا برتراند راسل الفيلسوف البريطاني يكتب عن «انتصار السعادة» على الرغم من أنه حاول الانتحار في إحدى مراحل حياته. وحين يحدد مسببات السعادة كما يعتقد فهو يجعل اللذة أول الأسباب وهذا نوع من الاهتمام بالمحسوس الذي تتميز به الحضارة الغربية المعاصرة. فاللذة جزء من تكوين البشر الطبيعي الذي يهتم بالمتعة الخالصة دون غرض محدد. فحين يوجد الغرض يصبح الفعل طريقة لتحقيق ذلك الغرض وتنتفي اللذة المحضة بالتالي. والطعام مثال بسيط فحين نأكل لنسد جوعنا فقط نفقد تلذذنا بالأكل. والحب سبب جوهري من أسباب السعادة، كما يرى راسل، والحب مرتبط باللذة بشكل جوهري ،فكلما اعتقدنا أننا محبوبون زاد تلذذنا بالحياة عموما وبالتالي زادت سعادتنا نسبياً.

ويعتقد راسل أيضاً أن الأسرة سبب جوهري للسعادة فالآباء بمقدورهم أن يشعروا بمنتهى السعادة فيما يصارعون الحياة لتحسين أوضاع أولادهم أو تعليمهم، ولذلك يلجأ البعض لاصطناع أسرته الخاصة، كما قد يفعل الأدباء أو العمال أو المحامون أو أصحاب المهن المتشابهة عموماً. فبالإضافة للوظيفة النقابية لهذه التجمعات فهي تحقق سعادة الالتقاء بالشبيه وهي سعادة ساكنة مصمتة كمرآة. أخيراً سئل السياسي الراحل رفيق الحريري عن اسعد لحظات حياته فقال: حين ألعب مع أطفالي على السرير.

ما أبسط السعادة إذاً وما أصعب الطريق لتحقيقها على الرغم من بساطتها.

 

 

ytah76@hotmail.com

طباعة