غفوة الشعر

علي العامري

ربما تغفو القصيدة لحظة أو لحظتين، لكنها لا تجف حتى وإن انبثقت من حجر في طريق، لا يجف ماء الشعر، حتى لو جفت الوديان الآيلة إلى نهر أو منفى، ولا يموت الكلام الذي يتدفق من زهرة في أعالي الألم، تنام العاشقة لحظة أو لحظتين، لكن قصيدة شوقها لا تنام، تظل ترن في الروح مثل جرس في عنق الكبش أو مثل تميمة في السديم.

تنام البراري في آخر الليل، لكن نبع الأغاني يظل يفيض مترقرقاً، مثل شال حرير على كتف السحابة.

تنام المناديل في جيوب الزمان، ولكن دمعة في الوداع تظل تضيء المسافة.

ينام الحنين على صخرة، لكن سر المكان يظل يمور مثل نجم خفيف فوق سطوح البيوت.

ينام الشعر حيناً، لكن شرارة المعنى العميق تظل مشعشعة مثل لؤلؤة في الطريق الى زرقة سائلة.

كأن القصيدة عنقاء، بنت الرماد وبنت الشهب.

كأن الشعاب سطور في دفتر الناس والأرض.

قد تنام القصيدة، لكنها تصعد من لحظة السهو حتى المرايا.

قد يصمت الشاعر لحظة أو لحظتين، لكنه يوقظ البحر حين تفيض القصيدة بين يديه، كأن النعاس يد الغيب، أو يد الحدس، أو يد الحبر، أو يد الترجمان.

من أين يصعد الشعر، وفي أي روح يفيض؟

من أي جبل ينبثق الماء، من أي شجر يخرج الظل ليغدو مكاناً لماعز أو حجر.

قال الشاعر يوسف أبو لوز في جلسة: إنه يرى الشعر ابن الألم، وابن الخسارة، وابن الفجيعة، وابن الجحيم. وقال إن المدى ساخن في كوكب النص. ويوسف شاعر في القصيدة والحياة، لأن لا جدار ولا حاجز بين الكتابة والدمع، ولا ستارة بين نبض القصيدة ونبض الغزال، ولا جرف بين النشيد وصوت منشده، ولا خط بين يد الشاعر والحبر.

يوسف في تلك الجلسة قرأ قصيدة من الدمع، فاضت به سيرة الذئب، وفاضت قصيدته بالطفولة حين كان يلاحق جندبا في مدينة مأدبا، حيث اعلن صرخته الاولى في الحياة، ولم تعرف القابلة الشعبية، آنذاك، أن الذي ولد بين يديها، اعلن صرخة شعرية، وأنه سيملأ الارض صهيلا.

يوسف يغفو مثل قصيدة، لكن روحه مشجرة بالنصوص وبالطفولة والألم.

يوسف في قصيدته التي لاتزال تنمو مع كل فجر وليل، رصد خطوط الناس والقهوة وبنات المدارس ومشاغبة الماعز، ورصد خط الدمع في الورق، وتذكر امرأة كانت تنثر ابتساماتها لطيور السنونو، تذكر الأب والأخ والأخت، أقصد حالاتهم في هبوب النشيد.

قد ينام النهار في الحديقة، لكنه يخرج موشوماً بالشموس.

قد يهجع الندى في زهرة، لكنه يضيء المعاني الطليقة للفجر.

قد يمد النعاس يده فوق الكون، لكن حصاة صغيرة ستبقى تنبض مثل ارتباك.

قد تنام الينابيع، لحظة أو لحظتين، لكنها لا تتوقف عن الجريان في أقاليم الزمن.

ali.alameri@emaratalyoum.com

طباعة