ليس بالاستهلاك وحده يحيا الإنسان!

    جورج فهيم

    على الرغم من كل مساوئ الأزمة الاقتصادية فإنها فرصة عظيمة، ليس فقط أمام الاقتصاد للتخلص من الطاقات الزائدة والعاطلة ومستويات المخزون غير الصحية، وإنما أيضاً أمامنا كأفراد للتخلص من إدمان الاستهلاك ونمط الحياة القائم على البذخ والإسراف والعيش فوق إمكاناتنا ومواردنا الحقيقية، الذي أوقعنا أسرى للقروض والاستدانة، وألقى بنا في براثن السقوط اللانهائي للبطاقات الائتمانية.

    وقبل سنوات قليلة فقط كان هذا النمط من الحياة قاصراً على المليونيرات والمشاهير وأصحاب الثروات الطائلة، أما الآن فإن الجميع وبلا استثناء دخلوا إلى حلبة السباق الماراثوني للاستهلاك، وكل شخص يحلم بشراء فيلا وسيارة ويخت وطائرة، وكل شخص حتى ولو كان موظفاً بسيطاً يرغب في شراء أصغر هاتف وأطول شاشة تلفزيون، وكل سيدة تصر على شراء أغلى الإكسسوارات.

    ولم تعد حمى الاستهلاك تقتصر على شراء أفخم وأضخم وأغلى السلع، وإنما أصبح من لزوم الوجاهة امتلاك أكثر من سيارة ومنزل وهاتف وكمبيوتر، وفرضت أدبيات الوجاهة على كثير من الأفراد ضرورة تغيير هذه الأشياء مرة واثنتين وثلاثاً خلال العام لتتماشى مع لون اللباس أو مع لون العدسات اللاصقة التي يرتدونها، وكلما أشبع الفرد مستوى من احتياجاته انتقل إلى مستوى أعلى من الاستهلاك، حتى تحول الاستهلاك إلى عقيدة ومصدر للشعور بالسعادة والرضا عن النفس.

    ووفقاً لإحصاء أجري عام ،2006 فإن نسبة 51٪ يقولون إنهم لا يمكنهم العيش في منزل من دون كمبيوتر بالمقارنة مع نسبة 25٪ في عام .1996

    بل إن بعض السلع التي لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة شقت طريقها إلى قائمة الضروريات، فوفقاً لاستطلاع للرأي أجرته مؤسسة «أي دي سي» فإن نسبة 10٪ من الأشخاص يرون أن شاشات التلفزيون المسطحة لا غنى عنها.

    ومن المؤكد أن قضية الاستهلاك ليست مسألة حرية شخصية، لأن ما يحدث للاقتصاد العالمي حالياً هو محصلة لسلوكنا، وما نتخذه من قرارات كأفراد هو الذي يحدد معدلات الادخار والاستثمار ونسب الإنتاج والاستهلاك ومستويات الأسعار والتضخم، ويحدد كيفية توزيع مواردنا المحدودة على احتياجاتنا غير المحدودة.

    وفي الحقيقة، فإن ما يحدث في حياتنا شهادة على عبقرية استراتيجيات التسويق والترويج التي تطبقها الشركات، والتي نجحت في أن تنقل كل شيء في حياتنا من خانة الكماليات إلى خانة الضروريات، بما في ذلك عمليات التجميل وحمامات «الساونا»، لكن من الأمانة أيضاً أن نعترف بأن الشركات لم تكن لتنجح في قلب أولوياتنا رأساً على عقب لولا أننا نرقد على مخزون هائل من الموروثات الثقافية والمأثورات الشعبية التي تحثنا على أن «ننفق ما في الجيب ليأتينا ما في الغيب»، بل وتحذرنا من أن أموال «الكنزي» يضيعها ابنه «النزهي»، وفي هذه الأجواء لابد وأن تغيّب ثقافة الادخار، ولابد أن يكون وضع ميزانية للإنفاق من الأمور المكروهة وعلامة من علامات تدني الرتبة في السلّم الاجتماعي، وربما يأتي الوقت الذي ندرك فيه أن رُبّ ضارة نافعة، وأن ليس بالاستهلاك وحده يحيا الإنسان.

     

    georgefahim_63@hotmail.com

    طباعة