من المجالس

عادل محمد الراشد

في أغلب مدن العالم الكبيرة توجد مناطق تسمى قاع المدينة، وأخرى يطلقون عليها المناطق الهامشية أو المهمشة. في هذه المناطق تجد الصورة مقلوبة. آثار الفقر منتشرة، ومناظر القذارة متكررة، والعشوائية حاضرة. وكثيراً ما تكون الجريمة والمخالفة موجودة. هذه المشاهد هي الوجه الآخر لتلك المدن الكبيرة والأنيقة، ذات المباني الفاخرة، والأحياء الراقية، والطرق النظيفة، والنظام الحازم. وهذا الوجه الآخر هو الذي غالباً ما يعكر ذلك الجمال، ويشوه الصورة، ويقلق الاستقرار.

هذه المشاهد بدأت، مع الأسف، تظهر في بعض مدننا، وإن كانت بصورة أقل حدة مما عند مدن العالم الأخرى. فعلى الرغم من الجهود الجبارة التي تبذلها مؤسسات الدولة لتوسيع دائرة التنمية الشاملة، وما حققته هذه الجهود من تطوير وتحديث لمعظم مناطق ومدن الدولة، إلا أن مشاهد التشويه والتعدي على تلك الجهود كبرت وصارت تفرض نفسها بقوة، ليس في الضواحي البعيدة فقط، وإنما في مراكز بعض المدن وأحيائها.

تراكم القمامة صار مشهداً مؤلوفاً في بعض المدن والمناطق، وتجمّع مياه الأمطار يبدو وكأنه مشكلة لا تجد لها حلاً، ومشاهد تسرب مياه المجاري من جدران بعض المباني المتعددة الطوابق تبدو وكأنها انتقلت مع ساكنيها من قيعان وهوامش مدنهم التي وفدوا منها. وعلامات التعدي على الرصيف أضحت واقعاً يُطلب من الجميع التعايش معه، والروائح الكريهة اختلطت فيها أدخنة الطبخ وغازات «البواليع». ناهيك عن مشاهد التجمعات البشرية التي تبدو لناظرها وكأنها صورة طبق الأصل لحي من أحد تلك الأمكنة التي هاجرت إلينا بقضها وقضيضها، ناقلة معها كل تفاصيل القاع بلا تردد أو حذر.

هذا الواقع الاجتماعي ربما يكون له ما يسوغه في دول كان من صنعها وثمرة تربتها، ولكنه لا يعقل أن يكون مستورداً، في الوقت الذي تبذل فيه الدولة كل هذه الجهود وتصرف كل هذه الأموال لتكون مدننا كلها ومناطقنا، مهما بعدت أو نأت في الجغرافيا، في أعلى درجات المعايير الإنسانية للتجمعات والمدن البشرية.

 

adel.m.alrashed@gmail.com

طباعة