محرقة ذكريات

علي العامري

يذهب الإنسان إلى أماكن عدة في اليوم الواحد، لكنه يعود إلى بيت، حيث يكون له بيت. وفي هذا البيت يجمع الزمن، يتحدث مع أهله، ويضم طفله الصغير، وقد يشرب فنجان قهوة وهو يقرأ جريدته المفضلة، وقد يمد يده إلى درج صغير يذكره بورقة صغيرة، ربما تكون رسالة عبرت بحاراً؛ حتى وصلت إلى يديه.

في البيت يمارس كل منا عاداته، وهناك يغفو مطمئناً وهو في هذا الحضن الأليف الذي اسمه بيت.

لكن، في غزة الآن، وبعد رحيل المحتلين بعدما أمطروا أطفال غزة ونساءها وشيوخها بفوسفور الموت، وبعدما دمر العدو الإسرائيلي البيوت فوق رؤوس أهلها، لم يجد كثيرون من أهل غزة بيوتهم وأسرتهم وحبال الغسيل. لم يجدوا شرفة لشرب قهوة مرة، ولم يجدوا سقفاً ولا لحافاً، لكنهم عادوا من الجحيم المصهور، إلى الركام الذي كان بيوتاً قبل 27 من ديسمبر 2008 عادوا من الموت إلى العراء الذي كان بنايات لها ظلال واضحة تحت شمس غزة. عادوا إلى الركام، فهنا طفلة تفتش عن ألعابها لتجد بعد طول عناء لعبة مغبرة، ومن عينيها تقطر دموع، وهناك طفل يبحث عن كتابه المدرسي، فيعثر على قميص أخيه الذي استشهد قبل قليل، وهناك عجوز تبحث في الركام عن رائحة أبنائها، وهناك شاب يحاول البحث عن رسالة من حبيبته التي وعدها بالزواج في الصيف المقبل، فلم يجد سوى الفجيعة وصورة لفتاة قصفها الفوسفور الصهيوني وهي ترتب أحلامها قبل هبوط ليل ثقيل.

بين الركام، يبحث شاعر عن قصيدة لم يكملها، وعن صور لأصدقاء له التقاهم في مقهى قبل سنوات.

بين الركام، يبحث الناجون من المجزرة عن ذكريات، عن رسائل وشموع وألعاب وجوازات سفر، عن بطاقات أعياد ميلاد، عن صور أطفال، عن كتب ودفاتر رسم، عن أشرطة كانت ملونة، عن مذكرات لرجال كانوا شهوداً على الماضي.

بين الركام، يبحث الناجون عن أي شيء حميم، عن نبتة في شرفة أو زهور بلاستيكية كانت توضع على طاولة، لتظهر في صورة عائلية، يجلس فيها الجد على الكرسي الوحيد، بينما يلتم حوله الابن وابن الابن، يبتسمون أمام آلة التصوير، ولم يعرفوا أن الموت في الطريق إليهم عبر قذائف اميركية وفوسفور مجنون.

الناجون في غزة يفتشون الركام، بحثاً عن خيط للذكريات التي هي جزء من حياتهم، وجزء من أرواحهم المتعبة.

لم يتوقف العدو عند قتل الأطفال والنساء والشيوخ والأشجار والبيوت والشوارع وأسلاك الكهرباء، بل إنه واصل مهمته في قتل كثير من ذكريات أهل غزة، لأن الماضي يهدد ذلك العدو، كما هو الحاضر والمستقبل أيضا.

لقد كانت الذكريات ضحايا للمجزرة الإسرائيلية، لكن من دون أرقام تتصدر صفحات الصحف ونشرات الأخبار.

 

ali.alameri@emaratalyoum.com

طباعة