شكل ومضمون..

سامي الريامي

ما تقوم به وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع من دراسات مكثفة وخطط وبرامج استراتيجية قصيرة ومتوسطة وطويلة الأمد، من أجل تكريس مفهوم الهوية الوطنية بالمعايير العلمية الحديثة القابلة للقياس والنمو، أمر في غاية الأهمية، ولعل البعض أساء فهم مقال الأمس خصوصاً أولئك الذين يحصرون الهوية الوطنية في أمور هامشية «متغيرة» مثل الزيّ الوطني أو التراث الشعبي.

لم أقلل إطلاقاً من شأن «الكندورة» فهي زيـنا الذي نفتخر به، ولكن هل هذا الزي «الوطني» الذي نرتديه اليوم هو الزي التقليدي الذي كان يرتديه أجدادنا قبل 50 أو 100 عام، بالطبع لا، بالتأكيد طرأ الكـثير من المتغـيرات عليه، ولاشك أن المستقبل سيؤدي إلى تغيـيرات لا نعلمها الآن عن الزيّ، لكن المهم الحفاظ عليه وعلى «روحه»، هذا جيـد ولا خـلاف عليه، ولكن أن نربـط الهوية بأمور متغيرة كالـزيّ، فإن هذا هـو الأمـر الـذي يمكن أن نختلـف عليه.

الهوية الوطنية يجب أن تكون مجموعة من الأحاسيس والسلوكيات والمبادئ والفضائل المتأصلة في الجذور، هي أخلاق وقيم مستمدة من الدين والعادات والتقاليد والموروث التاريخي لنا كأمة إسلامية عربية، الهوية الوطنية هي الولاء والحب للوطن، وهي التفاني في العمل والإنتاج، ورسم صورة المواطن الإماراتي «المثالي» للمجتمع الداخلي والخارجي في كل كلمة وسلوك نقوم به، الهوية الوطنية هي الاستماتة في نهل العلم والمعرفة واكتساب الثقافة العامة التي ترفع من قدر المواطن بين أقرانه وأصحابه، الهوية هي القدرة على التعايش مع «الآخر» والقدرة على التأثير فيه إيجابياً، والقدرة على التحكم في الوقت واحترامه والاقتناع بأن كل دقيقة يجب أن تمر علينا بفائدة علمية أو عملية.

هذه الأمور وغيرها الكثير من المعايير العلمية الحديثة والمتطورة والمواكبة للعصر، هي التي يجب تأصيلها في أفراد المجتمع، وهي التي ستحاول وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمـع إيصالهـا وتكريسهـا لمختلـف شرائح المجتمع.

نعم نريد الحفاظ على لغتنا وزيـنا وتقاليدنا، لكن ليس من المهم أبداً أن تكون «الطربوشة» التي يرتديها الرجال هذه الأيام في «الكندورة» أطول بكثير عما كان يرتديه آباؤنا، وليس من المهم أننا «استغنينا» عن «الخنجر» الذي كان من صفات الرجولة في وقت من الأوقات، لكن المهم أننا نحب تراب هذا الوطن تماماً مثل ما أحبه الأجداد، وولاؤنا له لا يقل عن ولائهم الذي كان، والأهم أننا نعمل ونخلص وننتج ونسعى لرفعة اسمه، كما سعوا وضحوا هم من أجل ذلك.

أيضاً لا يعني ذلك الاستغناء عن الزيّ، كما فهم البعض من مقال الأمس، ولربما يفهمون أيضاً ذلك من مقال اليوم، لكني مازلت أصر على أن الهوية الوطنية ليست زيّـاً وطنياً وشكلاً خارجياً بقدر ما هي شكل خارجي يغذيه المضمون، ولربما المضمون هنا أهم بكثير من الشكل الخارجي مع التأكيد على أهمية الاثنين معاً.

reyami@emaratalyoum.com

طباعة