5 دقائق

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

سمى الله تعالى الصلح خيراً؛ لما فيه من خير للبشرية التي تتعايش على المصالح المشتركة، فتتسامى على الضغائن لتصفو لها الحياة وتعيش عيشة السعداء، وإذا لم تفعل ذلك عاشت في نكد ولن تستطيع أ ن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء، لذلك ندب الله تعالى عباده لما ينفعهم وما هو خير لهم، و هو أن يصطلحوا فيما بينهم فقال سبحانه: {وَالصلْحُ خَيْرٌ } أي هو خير من الخصومة والقطيعة والجفاء، فضلاً عن العداوة والبغضاء، فإنه لا يأتي إلا بخير في الدنيا من الأمن والاطمئنان والآخرة من رضا الرحمن، فقد قال الله تعالى: {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِن اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، وقال عليه الصلاة والسلام: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو، إلا عزاً ، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله»، ومن أعزه الله تعالى لا يذله البشر، وتلك هي السعادة في الدنيا إذ يعيش المرء عزيزاً، ولا يملكها إلا ممن له العزة سبحانه، وقد وعد بها لمن عفا وأصلح وكظم غيظه واتقى ربه، وهذا هو المدخل الأساسي للصلح الذي هو خير في الدنيا والآخرة، بل إن الله تعالى قد نفى خيرية كثير من نجوى البشر، وحديثهم في ما بينهم إلا أن يكون حديثاً في صلح بين الناس، فقال سبحانه: {لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ الناسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}، فهو أجر عظيم لا يدرك حقيقته وكنهه البشر؛ لأنه أجر ممن له الملك وحده ويعطي بغير حساب، وذلك دليل على عظيم الصلح عند الله تعالى الذي ندب إليه عباده، حتى يعيشوا عبوديتهم له من غير نكد ولا تعب، وذلك ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟»، قالوا : بلى، قال: «صلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة»، وبين عليه الصلاة والسلام معنى الحالقة بقوله: «لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين»، أي أن الخصومة سبب لضياع الدين، فكأن الذي يعيش على فساد ذات البين يفسد دينه؛ لأنه يفعل كل الموبقات من قتل وسلب وسب وطعن وعموم الأذى الذي يستطيع الوصول إليه، نكاية في أخيه الإنسان الذي حرم الله عليه دمه وماله وعرضه كحرمة البلد الحرام في الشهر الحرام واليوم الحرام، لكن العداوة تنسيه كل ذلك، والسبب الأكيد لزوال هذه العداوة هو الصلح مع من اختلفت معه لسبب أو غير سبب، فكان لابد لمن يريد العيش في سعادة ووئام أن يختار هذا المنهج الذي اختاره الله تعالى له، ليسلم من شؤمه على دينه ودنياه، وكفى به شؤماً أن صاحبه يكون في محل إعراض الله تعالى عنه، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين، ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا»، أي أنهما يكونان في سخط الله تعالى، حيث لم يقبلا ما ندبهما الله تعالى إليه من الخير، ولذلك جرت سنته سبحانه بين عباده أن من عُرض عليه الصلح فأباه دارت الدائرة عليه، إن عاجلاً أو آجلاً، وشواهد ذلـك كثيرة من واقع الحياة، فيا ليت أولئك المتخاصمين الذين كان شؤم خصومتهم على البلاد والعباد كبيراً، ليتهم يعلمون ما هو خير لهم والله يتولانا وإياهم بهداه.


 كبير مفتين، مدير إدارة الإفتاء بدائرة الشؤون الإسلامية والأوقاف في دبي

طباعة