آلامُكم

ياسر الأحمد

الألم مصدر الإبداع.. تبدو هذه المقولة شائعة بين أهل الأدب حتى باتت علامة جودة المنتج كما يقال، فكلما تألمت أكثر، كانت كتابتك أكثر صدقاً وحرارة وألماً بالطبع، أو هكذا يقولون.

لكن هذا التصور يتجاهل أن تناول الألم كتابياً لا يتم إلا خارجياً وبشكل وصفي بارد نسبياً. هذه البرودة بالذات هي ما يتطلبها الفيلسوف نيتشه ليكون الموضوع مكتملاً فلسفياً. فكلما كان تناولنا لموضوعنا بارداً ومتخلصاً من الألم، زادت نسبة نفاذيتنا إلى صميمه.

غير أن بعض الكتاب يشتري «وجع الراس» كما يقال فيلجأ إلى ابتداع الألم عبر المخدرات مثلاً، وهذا برز بشكل خاص عند كتاب المرحلة السريالية الذين اعتقدوا أن وصولهم إلى عتبات عالية من الألم وغياب الوعي في الوقت نفسه ستوفر لهم مناخاً ملائماً لما أسموه وقتها «الكتابة اللاإرادية» بحيث يكون تعبيرهم عن أوجاعهم أكثر تلامساً مع ذلك الوجع. ولعل أكثرهم حضوراً في الذاكرة العربية كان الشاعر الفرنسي رامبو الذي جال في الجزيرة العربية مسبباً آلام الآخرين باعتباره كان تاجر رقيق، ولرامبو نظرية في تناوب الإبداع والألم جسدتها قصيدته «صباح السكر» فهو يتضرع إلى الله أو الكائن الأسمى كما يسميه ثم يتناول السم أو الحشيش كما كان يفعل ثم تتركز آلامه في بؤرة ترفض ثنائية الخير والشر ليصل بنا إلى نشوة الفرح والتطهّر في نهاية جولة الألم الصباحية.

لكن الألم يمكن أن يكون محسوساً أكثر ومؤثراً في قدرتنا على الحياة بشكل طبيعي، أو معيقاً لاكتمال الحياة نهائياً ومسبباً للانتحار بالتالي، وخصوصاً عندما يرتبط الألم بتوترات عاطفية ترتفع بسويته من السكون إلى الحركة ليصير دافعاً نحو نهايةٍ ما.

لكن ماذا عن صُناع الألم ومسببي القتل والحروب، وهؤلاء من تتحدث عنهم باستفاضة الكاتبة الأميركية سوزان سونتاغ في كتابها «الالتفات إلى ألم الآخرين» فللقتل جنس مذكّر وللحروب ملامح رجولية لا يمكن إخفاؤها، ومخيم جنين كما تقول ألم ينتزع الأحشاء والتعابير المجازية التي نستخدمها عند الحديث عما حصل هناك، وما قد يحدث في بغداد الآن، هذه التعابير مستمدة من قاموس جسدي يعتني بالتعبير عن تدرجات الألم نفسه، ذلك الألم الذي يجتاحنا عندما نرى جسداً وقد فارقته الحياة، لاحظوا أني لم أستعمل تعبير الجثة، فهذا الجسد مرّ بألم ما قبل أن يموت.لا نملك سوى أن نلتفت لنرى ألمه ثم نمضي بهدوء لنكمل سهرتنا، مقدرين الاشتراطات المهنية التي ترفض إظهار وجه القتيل تحسباً لتسونامي الألم المحتمل.

ترى هل يكون الألم والنعيم سواسية؟يبدو أن المتصوف الشهير ابن عربي يرى احتمالاً قائماً لذلك فهو يخبرنا أن أهل النار قد يجدون نعيماً في جهنم بغياب ألم كانوا يتوقعونه. لكن الأجمل هو تحليله للفظة الألم فهو يقول «إن الألف تنحني من عشقها لحرف اللام فيشكلان معاً حرف النفي ليغيب العذاب وتحضر العذوبة». ترى هل كان هذا هو فصل الجحيم الذي كتب عنه رامبو؟ أم أن فصل الجحيم الحقيقي هو ما يحدث في غزة وفي غزة فقط؟

 

ytah76@hotmail.com

طباعة