توثيق الجحيم

علي العامري

ليل غزة الثقيل لايزال يجر أذياله، وأهل غزة لايزالون يلملمون جراحهم، بعد المجازر التي ارتكبها العدو في 23 يوماً، كانت بمثابة جحيم يومي يهبط على البشر والحجر والشجر، والآن تتكشف يومياً ملامح الموت الذي هاج وماج براً وجواً وبحراً! الآن تتكشف صور أخرى للمأساة، ويفضح النهار يومياً بشاعة الوحوش المعدنية التي لم تجد سوى الجسد الفلسطيني لارتكاب مجازرها، لتبسط ليلاً ثقيلاً على أبناء غزة، وتهيل على رؤوسهم اطناناً من الموت الفوسفوري، وتجرب قنابل جديدة تذيب العظم واللحم.

لكن، الروح الفلسطينية المقاومة، ظلت سيدة الأرض والسماء والبحر، ولم تنكسر على الرغم من انغلاق السماء بدخان القذائف الأميركية، التي جعلت الدم الفلسطيني خاتمة عهد الرئيس الأميركي بوش وعصابته، وهو يغادر البيت الأبيض إلى عتمة باردة ومرآة كلما نظر فيها لن يجد سوى دم يسيل، وصراخ يعلو، وصور ضحاياه في فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان وغيرها.

ولأن الدم الفلسطيني ليس ماء، ولأن شهداء غزة وجرحاها ليسوا مجرد أرقام في آلة الحساب، ولأن الفلسطيني ليس «عابر سبيل»، فإن توثيق المجزرة التي طالت كل بيت، واجب، حتى لا ننسى، وحتى لا ينسى العالم ما ارتكبه الاحتلال الإسرائيلي من جرائم ضد الإنسانية بأسلحة محرمة دولياً، وهذا يتطلب إقامة متحف لمجزرة الصهاينة ضد أطفال غزة ونسائها وشيوخها وشبابها، متحف يكون شاهداً في كل لحظة على وحشية العدو، متحف يوثق بالصورة المأساة، ويوثق المجزرة بكتاب يضم أسماء كل الشهداء والجرحى وصورهم، ليبقى سجلاً شاهداً على جرائم الوحوش المعدنية التي حرثت الجسد الفلسطيني، متحف يضم شظايا القذائف التي انهالت على أرض غزة، متحف يجسد أيضاً صور مقاومة المحتل، وصور صمود أهل غزة، ليكون شاهداً على روح فلسطين التي لم ولن تنكسر أمام جحافل الفولاذ والجحيم، متحف يوثق انتفاضة الشارع العربي والعالمي ضد العدوان الغاشم.

نعم، لكي لا ننسى صرخة تلك العجوز الفلسطينية التي قالت «نأكل الرمل والملح، ولا نترك أرضنا وبيوتنا»!!

لكي لا ننسى دموع الأمهات، حارسات الأمل، وهن يودعن أبناءهن في رحلتهم إلى ثرى العزة والإباء والكرامة.

لكي لا ننسى صورة تلك الطفلة الفلسطينية التي كانت تحتضن شقيقها الأصغر، وتهدهده عسى أن يمر الموت بعيداً عن عينيه.

لكي لا ننسى صرخة غزة في وجه المحتل والذل، لا بد من توثيق الجحيم، ليكون شاهداً على مر الأجيال، فالدم الفلسطيني ليس ورقة، وليس سجادة تطوى مثل نسيان.

 

all.alameri@emaratalyoum.com

طباعة