الثقافة المشبوهة

يوسف ضمرة

قد أتفهم أي خلاف لأي مثقف مع حماس أو غيرها من فصائل المقاومة الفلسطينية. ولكنني غير قادر على أن أتفهم ما تكتبه بعض الأقلام العربية منذ بدء المذبحة الصهيونية في قطاع غزة، خصوصاً تلك الكتابات أو حتى اللقاءات الفضائية أحياناً، التي تجاهر بتجريم المقاومة، وتلصق بها أحياناً أبشع أنواع النعوت، وتمارس ضدها خطاباً هجائياً مفرطاً في العداء.

ولا أظن أننا في حاجة إلى تذكير هؤلاء بالويلات التي عاناها وعاشها الشعب الفلسطيني منذ النكبة حتى اللحظة، ولا أظن أيضا أننا مضطرون الآن لفتح سجال حول ضرورة المقاومة أو شرعيتها، ناهيك عن سخافة بعض المقولات الأخرى كالانقسام الفلسطيني، وما إلى ذلك.

لكن ما ينبغي أن نشير إليه في هذا السياق، هو أن هذه الأصوات تنتمي إلى جيل النخبة الثقافية والسياسية العربية التقليدية، التي احترفت نقل البندقية من كتف إلى أخرى، تبعاً لمعطيات سياسية وشخصية ومصالح ضيقة. وقد قلنا أكثر من مرة: إن هذه النخب الثقافية والسياسية العربية فشلت طوال نصف قرن في بلورة مشروع ثقافي وسياسي واضح، قادر على التأثير في المشهد العربي، والدليل أن هذه النخب لم تتمكن من تشكيل جبهة ضغط قادرة على منع بعض النظام الرسمي العربي من التخندق في جبهة العدو، منذ اجتياح لبنان عام ١٩٨٢ ومحاصرة بيروت، مروراً «بعناقيد الغضب» ومجازر العدو في فلسطين إبان الانتفاضتين، واجتياح العراق عام ،٢٠٠٣ وعدوان يوليو ٢٠٠٦ على لبنان، وصولاً إلى الحصار الشامل على قطاع غزة منذ سنة ونصف السنة، ومن ثم هذه المذبحة التي تحدث على مسمع ومرأى العالم كله.

لم يعد الأمر مجرد خلافات في المواقف أو وجهات النظر، في ما يتعلق ببعض الكتابات التي نقرأها هذه الأيام، بل صار لزاماً علينا أن نقول بوضوح لا لبس فيه: إن الأمر يتجاوز ذلك ليصل إلى حدود السقوط أخلاقياً، فلا يمكن لنا أمام هذه المجزرة كبشر لا كفلسطينيين أو كعرب فقط، أن نسكت على هذا الخطاب غير الأخلاقي لهؤلاء المرتزقة أو المرضى أو الحاقدين، لأن السكوت يعني القبول بوضع هذه الكتابات في خانة الاختلاف الطبيعي في المواقف والرؤى، وهو في جوهره ليس كذلك.

يستطيع أي مثقف أن يختلف مع المقاومة، ويستطيع أي شخص أن يقدم وجهة نظره حول القضية الفلسطينية أو أية قضية أخرى، ولكن أحداً لا يستطيع أبداً أن يجعل من هذا الاختلاف مبرراً للسقوط المريع في مستنقع هذا الخطاب الهجائي المريض، الذي هو في نهاية المطاف ليس سوى تماهٍ مطلق مع رؤية العدو ومنطقه وسلوكه وهرطقاته التاريخية المملوءة بالأساطير والقائمة على أحادية التفضيل لا ثنائيته، وهي أحادية لا سابق لها عبر التاريخ.

ها هو العدو نفسه بأطيافه السياسية والثقافية كلها، يحتشد خلف جيشه الذي يباركه الحاخامات، ويقدمون لجنوده الغطاء الديني والأخلاقي لارتكاب مزيد من المذابح والمجازر، تصل إلى مستوى الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، بينما يطلع علينا بعض هؤلاء المثقفين العرب، ليبرئوا هذا العدو مما يفعل، ويشجعوه على ارتكاب المزيد، وكأن هؤلاء يعلنون صراحة أن مشكلة العالم العربي قائمة بفعل أنين الضحية الفلسطينية التي تمنعهم من النوم في راحة وصفاء!

damra1953@yahoo.com

طباعة