قتلى.. وشهداء

باسل رفايعة

ثمة إعلام عربي يُحاكي «المهنية» الصارمة في فضائية «الحرة» و«فوكس نيوز» الأميركيتين، ولا يجد للفلسطينيين الذين يموتون يومياً في المحرقة النازية في غزة وصفاً أكثر تعبيراً وبلاغة من «قتلى»، مثل الذين يذهبون جراء المشاجرات وحوادث المرور، وليس في حرب إبادة، لا توفر بيتاً ينام فيه أطفال، ولا مدرسة يعيش تحت سقفها لاجئون، ولا مسجداً يؤمه الناس للصلاة.

فضائية «العربية» تُسمي العدوان على غزة اجتياحاً أو هجوماً، ويعتبر مطبخها المهني أن وصف «قتلى» وليس «ضحايا» على الأقل يليق بأكثر من 320 طفلاً، بينهم عشرات الرضّع ممن أحرقهم النازيون بالقنابل والصواريخ والفسفور الأبيض والأسلحة المحرمة دولياً في أقل من 20 يوما!

أولئك الأطفال ومئات النساء والعجائز والجثث التي لا تجد مقابر في غزة ليسوا سوى «قتلى»، شأنهم شأن الجنود الإسرائيليين المدججين بالموت والحقد والأكاذيب، وذلك تحت ادعاءات «المهنية» و«الموضوعية» و«الحياد»، وسائر الاعتبارات التي اختبرناها جيداً على شاشة الفضائية، حينما بثت صور بدء العدوان البري على غزة في الثالث من الشهر الجاري، تلك الصور التي يعرف الناس مصدرها جيداً!

أطفال عائلة السموني الرضّع «قتلى» والجندي الإسرائيلي «برئيل» قتيل، هكذا بـ«مهنية» تطمئن تماماً إلى أن برئيل كان يتنزه مع أطفاله في حديقة في غزة فهاجمته قنابل عمياء وقتلت براءته، في حين كان أولاد السموني يتناوبون على تعبئة منصات «غراد» بالصواريخ!!

«مهنية» قصوى تحاجج بأن تعبير «شهداء» ذو دلالة دينية أو عاطفية، يمكن أن تحرض مشاعر الناس غضباً واحتجاجاً، وكأن من يتوهم ذلك يتجول وحده في الفضاء، أو يظن أن المذابح النازية في غزة أقلّ من أن تؤذي الضمير الإنساني، فيتأجج بالدموع والحناجر!

وفي هذا السياق، نذكر بالاستطلاع الذي أجرته جامعة «ميرلاند» ومؤسسة «زغبي إنترناشونال» للدراسات في الولايات المتحدة، العام الماضي، وأظهر بأن عدد الذين أجابوا بأنهم يشاهدون «العربية» لم يزد على ٩٪ فقط من المستطلَعين، في حين حازت «الجزيرة» على 54 ٪ منهم، ولم تتمكن فضائية «الحرة» من كسب معركتها في التوجيه والتحريض؛ فكانت النتيجة أنها حصلت على نسبة ٢٪ فقط.

للأشياء مسمياتها ودلالاتها، ومن أراد تغييرها فعليه أن يقنع الملايين الذين تظاهروا في أوروبا وأميركا وآسيا البعيدة، قبل البلاد العربية بأن قصف شعب بالصواريخ والدبابات والمدفعية، وذبح نسائه وأطفاله، وتشريد عشرات الآلاف منه ليس سوى عدوان همجي، لا سبب مباشر له سوى عقدة نازية مستفحلة، لا تريد الفلسطيني إلا ميتاً ولاجئاً، وعليه أن يقنع نفسه أولاً بأن هناك سبباً آخر، غير الاحتلال لما يحدث في غزة، وكل ما حدث في فلسطين منذ أكثر من 60 مذبحة!

الذين يموتون في غزة في حمأة المحرقة النازية ليسوا مجرد قتلى، ولن تكسب الحقيقة شيئاً من وصفهم على هذا النحو المؤسف، مثلما لن تكسب الموضوعية والصدقية، فهم شهداء وضحايا، أولاً بالدلالة المهنية. وثانياً بالوصف المجرد. وثالثاً بموتهم الأسطوري الذي نستكثر عليه حتى ابسط الصفات.

 

baselraf@gmail.com

طباعة