أصغر شاهد في التاريخ

عادل محمد الراشد

في قوانين الأرض، ربما تكون شهادة الطفل مقبولة إذا كان قادراً على التمييز، وقادراً على التعبير، فكيف إذا كان الشاهد جنيناً في شهره السابع، عبرت شظايا صواريخ العدوان بطن أمه ففلقت جمجمته الصغيرة بعد أن أردت أمه. شاهدنا لم يكمل مراحل الظلمات فيطلع إلى الجريمة، ولم ير النور ليطالع المذبحة، ولم يطلق صرخة الحياة الأولى كسائر مواليد العالم ليرى ويتكلم.. فهو لم ير شيئاً مما حدث حوله، ولكنه حسب قوانين السماء سيكون شاهداً على الجريمة، وسيقف سائلاً عن أي ذنب قتل، وسيروي فصول الظلم الذي بقر بطن أمه وفلق جمجمته وحرق المكان من حوله، ومنع الحياة من أن تأخذ دورتها التي كتبها الله له.

في محرقة غزة للطفولة وجه آخر من الجريمة، ربما حدث بعض فصولها في حروب سابقة، ولكن جرم غزة غطت دماؤه على كل السابقات،وهيمن نتن رائحته على كل الروائح والفضائح. ولم يعد الشاهد بحاجة إلى أدلة تؤيد أقواله، ولا قرائن تؤكد ادعاءاته. فعصرنا هذا عصر الصورة بامتياز. والصورة صارت تنطق وتتحرك لتنقل الواقع بكل تفاصيله من دون رتوش أو إضافات. وصورة أصغر شاهد في التاريخ وصلت الآفاق عبر الشبكات العنكبوتية، لتغير المعايير الأرضية في الشهادة وتسقط شرط التمييز عن الشاهد. فالشاهد لا يميّز ولا يرى ولا يسمع ولا يتكلم، ولكن صورته كانت أقدر على التمييز، وأبرع في التعبير، وأفصح من الكلام.

ربما ينجو قادة الكيان الصهيوني ومجرموه من حساب المجتمع الدولي الظالم، وربما يكون ذلك بمساعدة ذوي القربى، ولكن بالتأكيد لن ينجو من محكمة التاريخ، قبل أن يطالهم عدل السماء. فالصورة عار في جبين البشرية التي صارت تبكي على الكلاب الضالة في برد الشتاء، وتفزع للفئران والصراصير تحت عناوين البيئة والحياة الفطرية، وتترك أطفال غزة يواجهون طغياناً لم يعرف له التاريخ مثيلاً في قسوته وظلمه وضلاله.

adel.m.alrashed@gmail.com

 

طباعة