سماء غزة

علي العامري

هل اتضحت الصورة الآن؟ وهل من وضوح أكثر من هذا الدم الفلسطيني الذي يُراق على أرض غزة؟ وهل انكشفت «كذبة» العدو أكثر، كما انفضحت من قبل «الكذبة النووية» بعد غزو العراق واحتلاله.

الموت يهبط على غزة، بالأطنان، والشهداء يواصلون رحلتهم اليومية إلى ثرى غزة، والجرحى يصل أنينهم إلى آخر الأرض، ودموع الأمهات يروي أرض غزة.

هل اتضحت الصورة أكثر؟ وأطفال غزة يدخلون بوابة الشهادة، بدلاً من المدرسة. أطفال غزة الذين يغادرون طفولتهم ليذهبوا إلى الموت، ربما ليعلموه معنى البراءة، وربما ليبعثوا رسالة شوق إلى من استشهد من آبائهم وأمهاتهم وبقية أهلهم وجيرانهم أو أصدقائهم الذين سبقوهم في الوصول إلى الموت، في المجزرة الحالية، أو في مجازر سابقة.

أطفال غزة مستهدفون تماماً، فالعدو لم يتوقف منذ 60 جرحاً عن استهداف الأطفال؛ لأنه يقصد قتل المستقبل. فكم من طفل في فلسطين ولبنان استشهد أو أصيب بأسلحة أميركية وبيد إسرائيلية.

نعم، الاحتلال عدو المستقبل، يقف على أرض يحتلها، لكنه يرتجف، إذ يستشعر الزلازل الشعبية التي سجلها التاريخ على مقياس الغضب. وما من احتلال بقي آمناً في أرض غيره.

أطفال فلسطين هم المستقبل المتحرر من قيد الحاضر، والأمهات حارسات الحلم

الفلسطيني.

أطفال غزة الآن، أو مَنْ يتبقى منهم، بعدما تنتهي المجزرة ويرحل المحتلون، بعد 10 أيام أو 10 أعوام أو 10 عقود، سيدخلون بوابة المدرسة، ويجلسون في مقاعدهم الصغيرة، وسيرسمون في أعلى السبورة علم فلسطين.

أطفال غزة، لن ينسوا المجزرة، على الرغم من أن بقايا أطنان القذائف الإسرائيلية التي هبطت على غزة، ذات ليل طويل ولئيم وأليم، ستتحول إلى «خردة» قد تدخل متحفاً يبقى شهادة من معدن الجحيم.

أطفال غزة، سيحفظون صور الشهداء، صور أمهاتهم وآبائهم، ولن ينسوا عدو المستقبل الذي أمطرهم بالموت، ذات مجزرة.

أطفال غزة، لن ينسوا المجزرة، وربما يحولون بقايا الرصاص إلى ألعاب تسخر من تلك الطائرات والدبابات والبوارج الإسرائيلية. وربما يحول أحد فناني فلسطين شظايا القذائف إلى عمل فني يصرخ في وجه الاحتلال.

نعم، من الموت تبتكر فلسطين حياة جديدة. وستعود سماء غزة زرقاء مثلما كانت منذ كنعان وعناة وبعل. ستعود السماء إلى زرقتها بعدما لطختها طائرات العدو ودباباته بسخام الموت ودخان المجزرة.

نعم، ستقوم بيوت غزة من ركامها، كما تقوم روح فلسطين، مثل طائر الفينيق. ستعود زرقة بحر غزة إلى بحرها، وستعود العصافير إلى أغصانها، وستعود شمس غزة، ويعود قمر غزة. ولكن زهرة الدحنون ستزداد حمرة في ربيع فلسطين.

ali.alameri@emaratalyoum.com

طباعة