صورة من ألبوم قديم

أحمد السلامي

يكفي أن تخذلك مدينة واحدة في بلدك لتعرف أن كل ما حولك سيظل يربي لك الخذلان. وأنت تجرب فكرة الهروب إلى الحلم، ستلتقي بمثقف يساري جاء من السهل، ولمجرد أنك ولدت في الجبل، وعلى الرغم من الأحلام التي تجمعك بمواليد السهول والمنخفضات، إلا أنه وكأي شخص محاط بالكوابيس، سيعتبرك مجرد ريفي يجيد التحدث بلباقة.

وستلتقي بفرد من القبيلة، ولمجرد سماعه لك وأنت تتحدث عن شُح الأكسجين في المرتفعات الجبلية مقارنة بالمناطق الساحلية، سيتهمك بالتنكر لأهلك في الجبل مقابل مصاحبة أفكار يعتبرها دخيلة.

لذلك ستظل ملعوناً في السهل والجبل، فيما يزداد شعورك باللا انتماء للتضاريس الوعرة والمنبسطة، وتلتمس العذر للطرفين، لأنك تعرف حجم الكوابيس التي يربيها الركود في الماضي بذريعة الأصالة.

أنت إذن مقطوع من شجرتين: الأولى مثقلة بثمار لا تميل إليها، تتدلى على هيئة رجال ذوي عيون حُمر، يتعطرون بنكهة الباروت، ولا يعرفون ما هي العلاقة بين انخفاض نسبة الأكسجين وزيادة حوادث الثأر.

والشجرة الثانية مثقلة بثمار تميل إليها، لكنها كالمدينة، تبدو في الوهلة الأولى مكاناً ملائماً للعيش بحياد، ثم تفصح لك عن طبيعتها الأخرى الغارقة في البدائية.

تعرف أن لديك من السلبية ما يكفي لتوزيعها على كل سكان مدينتك اللعينة، المدينة التي ترى بيوتها تتحول إلى خرابات مأهولة بحشرات وحيوانات آدمية مضجرة لبعضها البعض حد القرف.

لكنك سعيد بسلبيتك أمام تماسكهم المفتعل. يفكرون بعقل عنكبوتي واحد، ينامون في اللحظة ذاتها، ويستيقظون في الدقيقة ذاتها ليتبادلوا التحايا بتلك الجمل الرتيبة منذ زمن طويل.

كان عليك أن تتحرر من وظيفة حراسة ألبوم القتلى والغائبين، وربما كان عليك أن تغيب أيضاً، وأن تصبح مجرد صورة في ألبوم يحرسه شخص آخر غيرك، وليكن أي شخص بمقدوره التعايش مع الحسرة والألم.

تستعرضُ صور الألبوم غير المرتبة، أغلبها صور جماعية بالأبيض والأسود، ومع كل صورة تمر أمام عينيك تسرح بخيالك وتدق على جبهتك أسفاً حين تشاهد صورتك تتوسط آخرين في الغالب يكونوا إما موتى أو مجانين، بعضهم قتل في حوادث الثأر أو في الحروب الصغيرة التي كانت تشنها القبيلة على جيرانها أو وهي تدافع عن حدودها من غزوهم.

الآخرون في الصورة إذا لم يكونوا موتى أو مجانين، فهم مهاجرون، وفي أحسن الأحوال قد يكون أحدهم سائق شاحنة معطلة، أو مجرد بائع في متجر فارغ أو مزارع في زمن القحط. لكن هذا لا يعني أنك الناجي الوحيد من بينهم، قد تكون مجنوناً في نظر البعض، وقد تكون متمرداً أو مناضلا في نظر البعض الآخر، بينما ترى نفسك في الصورة سجين ألبوم تافه، كان على أحدهم أن يضعه كدليل بجوار أي مقبرة.

salamy77@gmail.com

طباعة