ثقافة المحرقة

يوسف ضمرة

لا يمكن تبرير كل هذا الدم المسفوك في غزة، تبريراً سياسياً أو ميدانياً، بل يمكن القول في ثقة الآن: إن سيكولوجيا معطوبة هي التي تقف وراء هذه المحرقة. ولا نقول ذلك في سياق الهجاء، بل لوضعه في سياق رؤية أبعد قليلاً مما يحدث.

فهذه المحرقة التي يمارسها العدو الصهيوني الآن، تشبه في جوهرها محارق عدة في التاريخ البشري، قامت على«فن» الطغيان في المقام الرئيس. وهو«فن» لا يبرع فيه سوى المرضى والمثقلين باختلالات سيكولوجية، مثل نيرون وهتلر وغيرهما.

وهذه الاختلالات السيكولوجية نابعة من إرث وتاريخ وثقافة محددة. فالشخصية اليهودية الصهيونية الموجودة الآن على أرض فلسطين، هي وارثة الشخصية اليهودية المقموعة منذ آلاف السنين، بدءاً من استبداد فرعون، مروراً بالتيه الصحراوي، والسبي البابلي، والقمع الروماني، وصولاً إلى محاكم التفتيش وانتهاء بالهولوكوست الشهير.

فعبر هذا التاريخ الطويل، لم يتح للشخصية اليهودية الاستقرار في حرية واستقلالية تامة لأكثر من ستين سنة متصلة. ولذلك، فإن هذه الشخصية المعاصرة، مثقلة بهذا الإرث الثقافي المشبع بالخوف وانعدام الأمل في المستقبل. ومن غير المستبعد في حال كهذه، وبعد كل هذا التفوق العسكري الذي وصل إليه الكيان الصهيوني، أن تلجأ هذه الشخصية إلى محاولة الهروب من مصير قاتم قائم في العقلية الصهيونية، ولكنها لكي تهرب من هذا المصير ترى نفسها أمام وسيلة واحدة هي القتل وإشاعة الرعب في الآخرين، أي أن عليها أن تصيب الآخرين بعدوى الخوف لكي تتساوى معهم، حتى ولو في الخوف.

هكذا يتحول الدم الفلسطيني إلى رافعة للكيان الغاصب، وستارة تحجب المصير القاتم الموروث في العقلية الصهيونية. وهي ثقافة لا يمكن تبريرها بصاروخ فلسطيني من هنا أو هناك.

ولكي نتأكد تماماً مما نقول، فإنه ليس لنا سوى مراجعة مواقف الأطياف السياسية في الكيان الصهيوني، لنكتشف أن ما يسمى «اليسار الصهيوني كان أول الداعمين لهذا العدوان، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين طالب الجيش الصهيوني بالإسراع في إنجاز مهمته، وهو يعرف أن الإسراع يعني القتل بالضربة القاضية، خصوصاً أننا نتحدث عن منطقة جغرافية تعتبر نسبة الكثافة السكانية فيها هي الأعلى في العالم كله.

إن هذا الدعم الهائل للمحرقة من المجتمع الصهيوني، يكشف الجوهر الحقيقي لهذه الشخصية، خصوصاً عندما نسمع في وقت الراحة بين مجزرة وأخرى منذ 60 سنة، أن هنالك حركات وأشخاصاً ومثقفين في المجتمع الصهيوني، يدعون إلى السلام والتعايش مع المحيط العربي.

لقد ظهرت في الكيان الصهيوني أقوى حركة سلام مزعوم في حقبة رابين، الذي أبرم اتفاقية أوسلو، وقد ظن كثير من المثقفين الفلسطينيين والعرب، أن الفلسطينيين قد حققوا اختراقاً عظيماً، ولم يخطر على البال أن هذه الحركات كانت تعبر عن فرحها بانتصار الكيان خلال اعتراف الفلسطينيين بوجوده، وحين نمت حركات مقاومة أخرى بديلة، تتشبث بالحق الفلسطيني كله، انحسرت موجة السلام المزعوم، بل يمكن القول: إنها كشفت عن جوهرها الحقيقي، وهو جوهر الشخصية الصهيونية المثقلة بإرث الخوف والرعب، وليس غريباً الآن أن نرى أن«بطل» محرقة غزة، هو رئيس حزب العمل الصهيوني، لا الليكود ولا شاس.
طباعة