الكتابة عن غزة

باسل رفايعة

أكتبُ عن غزة، فيما يتعذر على نشرات الأخبار أن تحصي الشهداء والبيوت والدموع. أكتب من بعيد عن بلاد تحترق على مرأى من مياه كثيرة، وشعوب بلا عدد، وعالم يستغرق في نوم مريب.

أكتبُ دون خسارات، فأنا أعيش، وأذهب إلى عملي كل صباح، وأطفالي يدرسون ويلعبون، وما عدا أنني لستُ حراً في ما أكتب، فلا ثمن تدفعه الكتابة عن الأشلاء والعيون المدفونة تحت الركام، والطفولة التي يقرر النازيون أنها ترف لا يليق بفلسطين، ونقرر أيضاً نحن معهم في هذه الفرجة التاريخية الدامية.

الكتابة شكل من أشكال التواطؤ حينما يصعد العجز إلى أعالي الكلام، وهي مثل غضب مكبوت، أو همسات مخفوضة في ريح عاتية. وأعلم أنني، مثل غيري، وغيري لا يعني سوى العرب، لا نستطيع أن نكون أحراراً حتى في الغضب. الغضب في اللغة مثل الغضب في الشارع، مثل الغضب أمام شاشات التلفزيون التي تبث لنا على الهواء الحي موتاً في كل ثانية، وتؤبّن بالصورة والصوت حياتنا الآتية.

هذا إيماننا بالحياة وبالموت، وهو أضعف الإيمان. وما الكتابة سوى أننا نختبئ وراء هذا الضعف ونهتف بالمفردات، لعلها تكون مثل درس تعبير عن القتلى والأرامل والمدارس المقصوفة في مدينة عربية اسمها غزة. بالضبط مثلما أفعل أنا الآن في منتهى العجز والأسف.

من يكتب في غزة منذ قررت الطائرات أن «تكنس السماء من العصافير والنجوم»، ومنذ حرصت الدبابات على محو خطى الصغار من طرقات غزة، وهدم الجدران التي نقشوا عليها أسماءهم وأبطالهم وشعاراتهم؟

التلاميذ في البيوت والملاجئ في انتظار الغارات. دفاترهم وأقلامهم في الحقائب، والمدارس مفتوحة للصواريخ، لا وقت للكتابة، الرادارات والطائرات تشاركهم في لعبة الاختباء، وتذهب إلى نومهم، وتكتب فجائع لا تنتهي.

المعلمون والمعلمات لا يكتبون. الطباشير على حافة السبورة، وثمة من يقصف الحروف والأناشيد على السبورة، لا يكتبون شيئاً، سينتظرون قوائم تلاميذهم قبل الغارة الأولى، سيمحون أسماء محمد وعلي وليث ويحيى وفاطمة وآلاء، وسيشرحون لزملائهم الأحياء دروساً جديدة وصحيحة في التاريخ العربي!

من يكتب في غزة الآن؟
الصحافيون ومراسلو شبكات التلفزيون يكتبون الأخبار، ويتنافسون في إحصاء عدد الشهداء، تُرى هل وصل الرقم إلى 1000 شهيد و5000 جريح؟ ومَنْ تبقى من عائلة السموني؟ أو كم عدد الأحياء في خان يونس وبيت لاهيا؟ يتسابقون في مهمة يومية عنوانها الأرقام. الغارات أرقام. النساء والعجائز أرقام. الشهداء أرقام، والصور تلتقطها أجهزة رقمية شديدة الانتباه إلى فلسطيني يمسك بساقه المبتورة، ويزحف إلى عربة الإسعاف. أو إلى ثكلى تلطم وجهها على مَنْ رحلوا دون وداع، سوى تلويحة إجبارية من ثنايا كفن، أو إلى أب يعدد أسماء أبنائه الذين قتلهم عدو محترف في قنص الأطفال.

أما نحن فسنظل نكتب نعينا، حينما نصر على الكتابة عن شعب لا نريده إلا شهيداً، لنزهو بدمه ودموع أمهاته، ونحثه على مزيد من الصمود والموت، من أجلنا. من أجل الحناجر والقصائد والأكاذيب.  

baselraf@gmail.com

طباعة