الرياضة.. الهويّة ملعبا

ياسر الأحمد

قبل أكثر من 100 عام ولد في مصر النادي الأهلي، ولولادته قصة طريفة ومدلول مهم، فهو ولد كتجمع لمحبي كرة القدم في القاهرة، لكن الهدف منه كان اللعب مع فريق المحتلين البريطانيين والتغلب عليهم، وهذا ما حدث فبعد أول مباراة بين الفريق الأهلي وفريق الجيش البريطاني المحتل خرجت القاهرة كلها فرحة بالفوز الذي حققه أبناء الوطن. كان هذا رمزاً يحمّل الرياضة مدلولاً أوسع من كونها نشاطاً بدنياً ،فهي تحولت لتصير «هويتنا» التي تغلبت على «هويتهم».

وإذا كان التعريف الكلاسيكي للدولة هي أنها تقوم على ثلاثة أركان أساسية هي وجود أرض وسكان وحكومة.. فإن هناك من يضيف لها ركناً رابعاً هو «امتلاك فريق وطني لكرة القدم»، ذلك أن كرة القدم أصبحت تمثل دليلاً جلياً على الهوية الوطنية.

بهذا المعنى نستطيع فهم ما تحدثت عنه الصحف الأوروبية بداية القرن الماضي عندما تم إحياء الأولمبياد «إن الفكرة الأولمبية للحقبة الحديثة ترمز إلى حرب عالمية لا تبدي وجهها العسكري بصراحة لكنها تعطي لأولئك الذين يعرفون قراءة الإحصاءات الرياضية لمحة كافية عن تراتبية الأمم». مع ذلك هي أفضل من الحرب الحقيقية. ولا شك أن المباريات بين خصوم الأمس أو اليوم تبقى ذات طعم خاص للاعبين، كما حصل في كأس العالم 1998 عندما تقابل الفريق الأميركي مع الفريق الإيراني.

وبهذا المعنى أيضاً تصير الرياضة تماهياً بين الجمهور ونظامه الحاكم في الحماسة والاندفاع لتأييد الفريق الوطني؛ ولذلك تهتم الدولة بتعويم النشاط الرياضي وبكسب الجوائز الرياضية، فالرياضيون هم ثروة وطنية، ومواقفهم تنال اهتمام وسائل الإعلام، ولذلك كان لموقف الملاكم الشهير محمد علي كلاي المعارض لحرب فيتنام في الستينات صدى واسع في المجتمع الأميركي. والرياضيون ثروة اقتصادية أيضاً فما يكسبه رياضي واحد قد يعادل دخل آلاف الأسر المحدودة الدخل، والشركات الكبرى تلهث وراء مشاهير الرياضة ليروجوا لبضائعها. والقنوات التلفازية تحتكر عرض النشاطات الرياضية لتكسب الملايين. يمكننا بالطبع الحديث عن اللعب كوسيلة من وسائل التربية المهمة، بحيث تستعار تقنيات الرياضة من تقليد الدور وعكسه وأخذ دور الآخر المقابل لتنمية الحس بالصراع عند الطفل، بشكل سلمي بالطبع.

ونستطيع ملاحظة جانب مهم في اهتمام الناس بالرياضة؛ فحيث يسود التنافس الفردي تصبح الرياضات الفردية بارزة، ويصبح للاعب دور مهم في المجتمع وفي دعم مختلف نشاطات المجتمع المدني، ويصير مدرس التربية البدنية عنصر جذب في المدارس على سبيل المثال. ولكن عندما تختفي الروح الفردية ليحل محلها النفَس الجماعي فإن الرياضات المعتمدة على الفرجة أكثر من المشاركة هي التي تسود، وتصبح مشاركة الناس أشبه بالخروج في تظاهرة إجبارية، ويروج مدرس الرياضة في المدارس وقتها للروح العسكرية والانضباط الصارم. ولأن النشاط الرياضي يختصر الوطن أحياناً فلا يخلو الأمر من التعصب والعنف والقتل أحياناً، والحوادث أكثر من ان نعددها. وبعض الدول تمنح جنسيتها للرياضيين البارزين لتمثيلها دولياً، ومثل ذلك ما أثار حفيظة السياسي الفرنسي اليميني جان ماري لوبان عندما قال معلقاً على أعضاء الفريق الفرنسي لكرة القدم «فليتعلموا غناء النشيد الوطني أولاً» إشارة لأصولهم الأجنبية.

ولكن ربما فاته أن الغناء بالجسد قد لا يحتاج لغة مشتركة أكثر من الجسد ذاته.

 

ytah76@hotmail.com

طباعة