المفلسون فكرياً

سالم حميد

دخلتُ منذ بضعة أشهر أحد مسارح فن الـ«ستاند أب كوميدي» في شارع برودواي بنيويورك، وكانت المرة الأولى التي أشاهد فيها هذا النوع من الفن الركيك الذي يُطلق عليه بالعربية «فن المواجهة الكوميدية»، حيث يقف مُلقي النكات على الخشبة بطريقة مباشرة نحو الجمهور، ويتناول شتى المواضيع خصوصاً في الشؤون الاجتماعية والسياسية والعنصرية بعض الأحيان، ويقلّد بعض الشخصيات المعروفة، ويتعرض بعض تعيسي الحظ من الجمهور لسيل من الهجاء الجارح والتنكيت لإضحاك بقية الجمهور عليهم. ومن سوء حظي أنني كنت في الصف الأول، وحاولتُ عبثاً مجاراة هذا المهرج والرد على نكاته الوقحة لكنه كان أقوى وتمكّن منّي، ثم سألني من أين أنا، أجبته أنا إسرائيلي يا ملعون! ارتعدت فرائص المهرج تمثيلاً، يرتجف من الخوف ويضع يديه على فمه ويتظاهر بالبكاء: سيدي أرجوك سامحني ولا تقتلني! ثم عاد المهرج ينكت من جديد ويقلد اللهجة الإسرائيلية بالإنجليزية، ويضيف: معروف عنكم سرعة غضبكم التي تنتهي بالقتل! أرجوك لا تقتلني الآن، انتظرني أنهي عملي ثم اقتلني! قلت له: أسامحك أيها النكرة على تفاهاتك التي أطلقتها مسبقاً لأنك صدقت القول في النهاية، شكراً لك.

بعض الجهات تعاني الإفلاس الفكري، فسلكت طريق تقليد الآخرين معتبرة أنها ظاهرة صحية! فالبعض يقلد إقامة فعاليات وأنشطة معينة أو إنشاء المشروعات من دون تخطيط لمجرد أن غيره قام بتنفيذها أو إنشائها من دون أن يدرك أن الآخر له ظروف ومقومات تساعده في إقامة نوعية معينة من الفعاليات والمشروعات، ولكن المفلس فكرياً يحاول ويجاهد بشتى الطرق فرض نفسه لمجاراة الآخر في ما يفعل ولو بالقوة التي سرعان ما يكتشف أنها انقلبت عليه عند الأزمات! المقلّد ليس سوى نكرة يستمتع بمحاربة خصوصيته التي لا يرغب في الحفاظ عليها والافتخار بها! المقلدّ كالببغاء يردد الأصوات من دون أن يعي معناها! المقلّد يأخذ الأمور بسذاجة من دون تفكير عقلاني ومنطقي، ويتجاهل الواقع من دون حتى أن يسأل نفسه: لماذا لا أراجع هذه الأفكار؟! المقلّد قصير النظر لأنه ينظر للأمور على المدى القريب ويتجاهل المدى البعيد! المقلدّ مستخف بالعقل لأنه يركز على الثانويات ويغض الطرف عن الأولويات! المقلّد وما أدراك ما المقلّد!

«اللون الإماراتي يتسيّد الساحة الغنائية الخليجية حالياً»، أعجبتني هذه الجملة التي قالها المطرب السعودي عبدالمجيد عبدالله في حوار معه عبر «الإمارات اليوم» منذ بضعة أيام. لماذا نجحت الأغنية الإماراتية في فرض تسيّدها على الساحة الخليجية حالياً؟ لأنها حافظّت على خصوصيتها من لون ولحن وإيقاع، فأي مستمع خليجي بسهولة يستطيع تمييز الأغنية الإماراتية عن غيرها في دول الخليج، والتي ألحانها متشابهة نوعاً ما بخلاف الأغنية الإماراتية.

يبدو أن الأغنية الإماراتية هي الشيء الوحيد لدينا الذي يتمتع بخاصية إماراتية من دون تقليد! الحمد لله، على الأقل لدينا شيء يخصنا نحن فقط!

 

salemhumaid.blogspot.com

طباعة