حرب على الهواء

أحمد السلامي

هي إذن حرب على الهواء، أجادت الفضائيات نقل وقائعها الشرسة لحظة بلحظة، فتحولت نشرات الأخبار إلى عداد آلي يحصي القتلى والجرحى بأعصاب باردة وبعدسات، تلتقط سحب الدخان والرماد بسهولة ويسر، وكأنها تصور معركة تدور في كوكب آخر، وكأن ما حدث ويحدث في غزة من مجازر مجرد مشهد تلفزيوني قابل للتصوير، مثل مشهد إطلاق الألعاب النارية في سيدني احتفالاً بالعام الجديد، أو افتتاح الألعاب الأولمبية.

لقد كانت حرب الخليج واحتلال العراق وأفغانستان وحرب لبنان بمثابة ورش مفتوحة، تدرب خلالها مراسلو المحطات الاخبارية على إحصاء الضحايا بدقة، مع محافظة المذيع على رباطة الجأش ونبرة الصوت المحايدة التي تشي بمهنية عالية، وفي نهاية كل نشرة، يتم تحويل الأجساد البشرية المغدورة إلى أرقام في شريط إخباري متحرك ومتجدد، وبوسع تزاحم الأحداث أن يركل عناوين الفجيعة إلى خانة النسيان، ليفسح مجالاً لعناوين ساذجة مثل انتحار الحيتان الكبيرة أو اكتئاب الأسود المحتجزة في أقفاص السيرك.

وعلى الرغم من ذلك سيظل بعضنا يكتب عن ثقافة الصورة وبلاغتها في تكثيف المعاني وعولمـة الذاكرة الإنسانية، لكن مشاهد الدمار هذه المرة في أحياء ومدن قطاع غزة أثبتت أن الحكومات العربية والمجتمع الدولي بلا ذاكرة وبلا ثقافة.

وحدها الشعوب خرجت إلى الشوارع لتعبر عن يأسها، والأرجح أن الجموع التي احتشدت في الميادين إنما هربت مفزوعة من أمام الشاشات الصغيرة التي لم تكف عن عرض صور جثامين الأطفال الذين سقطوا إثر الغارات الجوية الاسرائيلية العمياء.

تذكرني أحداث العدوان على غزة بأفلام الرعب السينمائية التي تثير الاشمئزاز أكثر من إثارتها الخوف، واستغرب بشدة لتفاعل البعض من الجمهور مع هذه النوعية من الأفلام التي تروّج للتلذذ بالمشاهد الدموية المليئة بالعنف والدماء والتوحش الذي يتجاوز الغريزة الحيوانية.

لا أريد القول إن العنف صناعة غربية خالصة وان العالم الغربي بأكمله يخفي تحت قشرة الحضارة المعاصرة وحشية بدائية تفوق الوصف الذي ساقه الرحالة ابن فضلان عن أكلة لحوم البشر في بلاد ما وراء بحر الظلمات، لكن أي تحليل نفسي للذهنية الغربية والصهيونية سيكشف لنا بالتأكيد أن الخيال الذي يبتكر الرعب المقزز في السينما هو ذاته الذي يقتل الاطفال في غزة ويصيب أجسادهم بشضايا القنابل المحرمة ويدمر البيوت المأهولة فوق رؤوس قاطنيها، وهو خيال وفعل بشع لا يولد من فراغ، بل انه يعكس المشاعر العدوانية الدفينة التي يكتنزها الاستعمار الذي أباد السكان الأصليين في أميركا واستراليا وأرسل جيوشه لاحتلال بلدان الآخرين ونهب ثرواتها، ثم احتضن الصهيونية كفكرة وسهّل لها مهمة احتلال فلسطين منذ وعد «بلفور» وها هو يواصل دعمها ويبرر همجيتها، ولا أحد يعرف إلى متى سيظل الغرب يدعم الدولة العبرية التي تصنع مشاهد العنف وتدعي أنها تدافع عن نفسها!

ويبدو أن على الذائقة الغربية والاسرائيلية تحديداً أن تسقط صناعة الرعب من مقاييس الرقي والتطور وأن تنقي مبدأ الدفاع عن الذات من السلوك الإجرامي، ما لم فإن الشعوب المظلومة لن تعجز عن مواجهة جنون المعتدي بجنون مماثل.

salamy77@gmail.com

طباعة