«كأنها نهاية الأرض»

ياسر الأحمد

هذا عنوان ديوان شعري جميل للشاعر المصري رفعت سلام، لكن تحليل الديوان ليس مدار كتابتي اليوم. العنوان جعلني استرسل في التفكير حول فكرة النهاية نفسها، نهاية الأرض أو نهاية الحياة أو نهاية الكون كله.

في كتب السنة النبوية نجد أبواباً مخصصة للحديث عن نهاية الكون كما أخبر بها النبي الكريم، وقد تتوسع بعض المرويات في تفاصيل ما سيحدث وعلاماته وأماكنه، ثم تخبرنا بأفضل الطرق للنجاة من تلك الحوادث التي تجعل الولدان شيباً.

والحديث عن نهايات الحياة حديث مطّرد في اليهودية والمسيحية وديانات أخرى، تتميز اليهودية بنوع من الانتقام الشديد المليء بالعقوبات والسخط الذي سيشمل الكل لحظة انتهاء الحياة بحسب تصوراتهم.

في التصور المسيحي يبدو الموت عتبة لرؤى أخرى، وتبدو نهاية الكون نهاية القصة السعيدة، حين يقوم المسيح ليعطي كل ذي حق حقه كما يقال.

بينما يمتاز التصور الإسلامي بنوع من القصاص العادل والأكثر تفصيلاً، فسيأتي المهدي المنتظر ليشيع العدل في الأرض بعد أن داهمها الجور من أطرافها.

لكن هناك من لا يرى لفكرة النهاية محلاً مزعجاً في تفكيره، فسقراط كان يحاور تلاميذه صبيحة إعدامه عن «اللذة والألم»، فهو يرى الموت تطلعاً مستمراً للمهتمين بالفلسفة. ونهاية الحياة ليست مثار اضطراب ما دام التفكير الفلسفي يبني وجوده بانتظارها.

وسقراط يبحث في ما بعد النهاية، حين يقدم نظريته في التناسخ التي تعيد الأرواح من تيهها بعد الموت، لتلبس أجساداً أخرى تلائم حسن أو سوء سلوكها في حياتها الأولى.

في التصورات الصوفية تأتي النهاية تحت مسمى الفناء، فالعارف يفنى في ذاته ليندمج في الذات العليا. وتجربة الحلاج الشهيرة في السعي إلى النهاية مثال على الذوبان الصوفي بفكرة النهاية ذاتها. فهو يقدم كل مسوغات قتله لأعدائه. والطابع العشقي شديد الوضوح في أدبياته بحيث يبدو عاشقاً شديد الوله لفكرة الموت ذاتها.

لكن هذا يجعلنا نسأل: هل يؤمن الصوفي بالنهاية؟ أم أنه يسعى للخروج من جسده إلى بداية أخرى يراها بعين فنائه.

يروي التراث البوذي أن بوذا تعرض لطارئ مرضي أشعره بأن الموت أمر ممكن حتى بالنسبة له كأمير مترف، ولذلك هجر الحكم ليبحث عن سر الموت عبر الحياة. الموت في البوذية ليس سوى طريقة أخرى في استمرار المعاناة، ليس أمراً خارقاً بقدر ما هو طريقة من طرق الإنسان في بلوغ «النيرفانا». بالمقابل يعتبر باحث مادي مثل فرويد أن الموت غريزة كامنة فينا، بمعنى أنها أمر قدري لا فكاك منه وسنجده أو يجدنا مهما حاولنا الهرب منه.

أليس غريباً أن نستطيع وصف موت الآخرين والحديث عنه من دون أن يكون بإمكاننا معايشة تجربة موتنا نحن. بينما نردد مع درويش «لا شيء يوجعني على باب القيامة. لا الزمان ولا العواطف.لا أحسّ بخفة الأشياء أو ثقل الهواجس».

نعم، ليس هاجس الموت الثقيل بالمناسب دائماً، خصوصاً مع ثقل ما نراه في غزة على الجسد والروح.

 

ytah76@hotmail.com

طباعة