«التفنيش» ليس الحل!

    جورج فهيم

    الابتكار هو كلمة السر للخروج من الأزمات الاقتصادية، وبصفة خاصة في أزمة اقتصادية بحجم الأزمة الاقتصادية التي يعيشها العالم الآن، ولكن وللأسف الشديد فإن الشركات الإماراتية تكاد تكون الأقل ابتكاراً على مستوى العالم عندما يتعلق الأمر بمواجهة الأزمة، ويكاد يكون رد فعلها الفوري والوحيد هو تسريح العمالة وتقليص الوظائف، تقليداً لما فعلته الشركات الأميركية، رغم أن حدة أزمة الركود الاقتصادي هناك والذي بدأ في منتصف العام الماضي، لا تقارن بحدة الركود لدينا والذي لم تصل نذره إلينا بعد!.

    وليس هناك شك في أن تسريح العمالة يوفر التكاليف، لأن تكلفة العمالة من رواتب وبدلات إقامة وعلاج وتذاكر سفر تشكل البند الأكبر من التكاليف لدى الشركات، ولكن ما هو مفيد للشركات على المدى القصير سيكون ضاراً للاقتصاد ككل على المدى الطويل، وهذا هو مكمن الخطورة في الأزمة التي خلقت تضارباً بين مصالح الحكومات والشركات والأفراد.

    ولكن ما لا تدركه أغلب الشركات هو أن الركود الحقيقي لن يأتي على جناح نقص السيولة، وإنما سيأتي على جناح تقليص فرص العمل، مما سيخلق متوالية لا نهائية من الركود والسقوط، والتي سرعان ما ستنتقل شراراتها من قطاع إلى قطاع، ومن صناعة إلى صناعة، مثلما تسري النار في الهشيم، وما لا تدركه الشركات أيضاً هو أن إلغاء وظيفة واحدة يعني مسكناً بلا مستأجر، وسيارة بلا مشترٍ، و«مول» بلا زوار، ومطعم بلا زبائن، وفندق بلا نزلاء، وطائرة دون ركاب، ومدارس بلا تلاميذ، ومستشفيات بلا مرضى.. وباختصار اقتصاد بلا سوق!.

    صحيح أن هناك مؤسسات متخمة بالعمالة الزائدة، ولكن الصحيح أيضاً أن هناك مؤسسات أخرى يقوم فيها فرد واحد بمهام ثلاثة أفراد في المهنة نفسها، ولا يمكن أن يكون الحل هو تسريح العمالة، بل على العكس فإن خبراء الاقتصاد يتفقون على أن العمود الفقري لأي خطة للإنقاذ الاقتصادي من براثن الركود يجب أن تقوم ليس فقط على المحافظة على الحجم الحالي من الوظائف، بل خلق المزيد منها من خلال زيادة حجم الإنفاق الحكومي على مشروعات البنية التحتية، والتي يمكن أن تخلق رافداً يعوض نزيف التوظيف لدى شركات القطاع الخاص، والتي تشكل مصدراً لنسبة 90% من الوظائف.

    ولكن.. وللأسف الشديد ليس هناك بيانات أو مؤشرات تتعلق بحجم العمالة سواء بدوام كامل أو بدوام جزئي، وحجم الوظائف التي يمكن أن يفقدها الاقتصاد نتيجة الأزمة، والآثار الاقتصادية التي يمكن أن تنتج عنها، ناهيك عن معدلات البطالة والتغييرات الشهرية في مستواها وتوزعها على القطاعات المختلفة. من المدهش أن وزارتي العمل والاقتصاد لم تتحركا حتى الآن لتفادي تقليص الوظائف الذي يحدث الآن، وتشكيل لجنة لإعادة توجيه العمالة المستغنى عنها من القطاعات التي لا تحتاج إليها إلى القطاعات التي تعاني من نقص فيها، وتوفير التدريب والتأهيل اللازم لعملية التحويل.

    ولكن، وللأسف الشديد.. فإن كل البيانات والمؤشرات الخاصة بالعمالة والبطالة ومتغيرات سوق العمل إما غير موجودة أو غير دقيقة، أو أن الجهات التي تؤتمن عليها تتعامل معها باعتبارها من الأسرار العسكرية التي لا يجوز البوح بها، وهذه الضبابية المعلوماتية تفقد جميع الأفراد في السوق القدرة على قياس الأداء، ورصد المتغيرات، وسرعة التجاوب معها، وتصحيح المسار.
    طباعة