أوراق شاعر

أحمد السلامي

بعد أكثر من 25 عاماً مرّت على توحد الشاعر اليمني عبدالحكيم الفقيه بالقصيدة، أصدر أخــيراً مجمــوعته الشـعرية الأولى : «أوراق من غصــن الأرق».

وهو من الشعراء الذين ولدت تجاربهم في منتصف عقد الثمانينات من القرن المنصرم، وشعراء هذا الجيل لم يسلموا من لعنة الايدولوجيا التي أصابت أسلافهم وحملت القصيدة مهمات شبه قتالية، بل إن بعض الجمل الشعرية في النصوص التي مازالت تكتب بأقلامهم تبدو كجندي في حالة حرب دائمة ولا يريد ان يصدق أن المعارك قد توقفت.

كما ان جيل عبدالحكيم ظلم كثيراً بسبب وقوعه بين فكي جيلي السبعينات والتسعينات. وهكذا بعد مرور أكثر من ربع قرن، راكم خلاله الشاعر قصائد كانت تعرف طريقها جيدا إلى الصحف والمجلات، وبعد سنوات من انخراطه في فضاء منتديات الانترنت العربية الأكثر شهرة، إلا أن النشر الالكتروني لم يغن عن توثيق التجربة في صيغة ورقية، لذلك قرر الإفراج عن جانب من أرشيف اللوعة والحنين.

عندما تقرأ له قصيدة جديدة لا تملك إلا أن تتمايل طرباً مع موسيقى التفعيلة الراقصة في نصوصه، لدرجة تجعلك تشعر بمدى يقظة الشاعر للبعد الصوتي في الحرف العربي.

لكن الجملة الشعرية عنده ترفض الاكتفاء بالنشيد العابر أو الانتشاء بالإيقاع المجاني، لذلك تتجاوز قصيدة التفعيلة لديه وظيفتها الطربية الساحرة لتخبرنا ان بإمكان الشاعر اليوم أن يتخفف من ميراث أسلافه، وان يكتب قصيدة موزونة، لكنها ذات دلالة تتخطى الوزن، وإن ظلت تحتفظ بمسحة غنائية واضحة.

وقصائد الفقيه التي تمثل تجربته منذ بدايتها موزعة في صفحات الجرائد والمجلات وأقسام عدد من منتديات الانترنت، أما مجموعته الأولى فقد احتوت على نصوص كتبت ما بين عامي 1991 و1995 م، أي أنها تخلت عن بداياته كما لم تقدم للقارئ نماذج من آخر نصوصه.

ومن يتأمل في هذه التجربة الشعرية الناضجة سيجد أن علاقة صاحبها بالشعر كرؤية وكمنجز تتسم بخصوصية من علاماتها: امتياز تجربته بالدأب والاستمرارية والوثوق بالقصيدة كملاذ دائم، بعكس بعض زملائه الذين هجروا كتابة الشعر، كما تمتاز تجربته بعدم الالتفات للتنظيرات التي انشغلت عن الشعر باسم الشعر، وها هي مجموعته الأولى تقول للقارئ إن المكوث في دهشة الشعر أجدى من البحث النظري في أسرار الدهشة ذاتها.

مقطع من أجواء الديوان:

تنام المدينة كي توقظ الشعراء وتقذفهم في طريق الأرق/ فيشتعل الحزن والشوق والأغنيات/ يعشوشب الحرف ريحانة في سطور الورق /تعيش الشوارع أحلامها والكوابيس /ينتصف الليل كالسندوتش /ويختنق الضوء في الشرفات/ ويفعم وجه النجوم وجوم القلق.

طباعة