إيروسية خلف الظلال

ياسر الأحمد

إذا حاولنا تفسير الإيروسية باعتبارها أشمل من الشهوة وحدها، فسنجد أنها باسم «الدافع» تتجلى في جزء كبير من تصرفاتنا اليومية، فكل ما نمارسه في نهاية المطاف ليس سوى رغبة تتجذر في النفس، ثم تأخذ شكلاً خاصاً بها حين تظهر في تصرفاتنا. لكنها تبقى مع ذلك رغبة قبل كل شيء.

صحيح أننا نسوّغ ما نقوم به بمنطق خاص نقتنع به وقد يقنع بعض من حولنا، لكننا في النهاية لا نمانع في ليّ عنق هذا المنطق لينسجم مع رغبتنا أو شهوتنا الإيروسية.

وحينما يكلمنا أحد ما قد نستطيع مراقبة ملامح صوته أو حركة يديه لنجد فيها صدى رغبة تطفو رغم وقار الحديث والمتحدث، ربما تعود جذور هذه الرغبة إلى منطقة كامنة في عقولنا متأثرة بذلك الزمان البدائي للإنسان أكثر من أي شيء آخر، لكن تلك الرغبة أو الإيروسية تستطيع أن تتقولب في إطار ايدولوجي يحميها من النقد، ويقدم لها القدرة على التخفي أيضاً.

فنحن نبايع نظاماً فكرياً ليحفر في نفوسنا، بينما يقدم ذلك النظام نفسه باعتباره اسماً للشعب أو ضمير المجتمع، لكنه في خاتمة المطاف ليس سوى تجسيد لرغباتنا أو رغبات غيرنا في السيطرة واستمالة الآخرين لخدمة أهواء الذات.

وهذا النزوع الإيروسي يحمل جانباً إيجابياً أيضاً، فعبره تُصنع المشروعات المتميزة، وكلما زادت رغبتنا استطعنا اجتراح فعل نحققها بها، فقط عبر الرغبة يستطيع الشعراء أن يقدموا مشروعهم الخاص وقديماً «فاز باللذة الجسور» كما يقول الشاعر. أليس مذهب الزهد والتنسّك قائماً في مجمله على الرغبات حين نكبتها اليوم لنحصل عليها مضاعفة غداً؟ وأليس الجهاد رغبة قوية في النصر أولاً بما يحمله من رموز السيطرة ثم الشهادة تالياً؟ تلك كلها وسائل لتسويغ الإيروس العميق في داخلنا.

وتلك الإيروسية تتجلى في الرغبة العميقة بالاتحاد مع الكون كله أو بعضٍ منه على الأقل، فهذا الشاعر فريد الدين العطار يذوب في الطيور مشعلاً رغباته في الاتحاد بها، وهذا ابن عربي يكتب فتوحاته المكية كنوع من الوفاء لذكرى رغبة طافت به مرة في مكة، حين التقى امرأة أشعلت إيروسيته كلها، ليختار تنظيمها عبر الكتابة.

نستطيع إذاً الاستجابة للإيروسية وتقنينها أيضاً، فنحن بشكل ما سلالة الأخ الذي قتل أخاه دفاعاً عن رغبته الخاصة، غير أننا لا نستطيع أن نكون شديدي الوفاء لجدنا قابيل، فهذا في النهاية استهداف لأجدادنا الآخرين. لكننا رغم ذلك نصرّ على الوفاء للقاتل بتدمير بيئة الأرض كلها طاعةً لرغباتنا الأنانية، من دون أن يرف لنا جفن أو يبعث لنا أحد غراباً، عدا غراب الفيضانات والكوارث اليومية.
ytah76@hotmail.com

طباعة