«فوبيا التفنيش»

    جورج فهيم

    لا يكاد يمر يوم واحد حتى تطالعنا الصحف في كل أنحاء العالم بأنباء مثيرة عن موجة من الهلع والخوف الهستيري لدى بعض الشركات التي تقوم بتسريح مئات العاملين لديها للتحوط ضد موجة الركود المقبلة بإجراءات تخفض التكاليف وتعوض النقص المتوقع في الإيرادات.

    ونحن نفهم بطبيعة الحال أن الأزمة الاقتصادية عالمية في نطاقها، ونعرف أيضاً أنها شديدة الوطأة، وندرك أن التحرك المبكر لمواجهتها عند أول الطريق خير من الانتظار حتى تطبق علينا، ولكن الذي لا نفهمه ولا ندركه ولا نعرفه هو أن يخلط البعض بين الواقعية في التعامل مع الأزمة من خلال إجراءات مدروسة وانطلاقاً من معطيات وحقائق مسلم بها، وبين الإغراق في الهوس والمبالغة في التخوف من مخاطر مجهولة وصعاب قد لا تحدث وكوارث قد لا تقع والقفز فوق الواقع بقرارات الحالية يمليها الخوف، وغريزة النجاة من دون أن يكون لها ما يبررها على أرض الواقع على الأقل في الوقت الحاضر.

    وفي الحقيقة فإن الفزع هو أخطر عناصر الأزمة الحالية، والسبب الرئيس في عدم ظهور النتائج المتوقعة للتدخلات الحكومية لتخفيف حدة الأزمة من خلال ضخ السيولة في الأسواق.

    على الرغم من أن «التفنيشات» تكون في كثير من الأحيان هزيلة، ولا يعادل الوفر المتحقق من ورائها ثمن حفلة واحدة من الحفلات التي كانت تقام في الأيام الخوالي، إلا أنني لا أبالغ كثيراً إذا قلت إن الشركات التي ترتكب مثل هذه الأخطاء ستدفع ثمناً باهظاً لتصرفاتها لاحقاً، لأن خلق حالة من التشاؤم وانعدام الثقة في الأسواق سيترجم نفسه في صورة تراجع في ثقة المستهلك والأعمال نتيجة الخوف على المستقبل، وسيتحول كل ذلك إلى انخفاض في الإنفاق وحركة البيع والشراء، وبالتالي تضخيم حجم الأزمة، وإطالة أمدها بدلاً من معالجتها.

    وفي الواقع فإن هذه التصرفات الخاطئة لا تنبع فقط في القصور في فهم أسباب الأزمة، وإنما أيضاً نتيجة العجز عن تشخيص حدتها والمدة الزمنية التي قد تستغرقها قبل أن تعود الأسواق إلى التعافي من جديد، وصحيح أن نسبة نمو الاقتصاد العالمي خلال عام 2009 ستتراجع إلى 3.8٪ بالمقارنة مع نسبة 4.5٪ التي كانت سائدة خلال الأعوام الأربعة السابقة، ولكن ذلك ليس معناه نهاية الكون، بل إن نسبة التراجع خلال الأزمة الحالية أقل بكثير من نسبة التراجع خلال الأزمات السابقة.

    يضاف إلى ذلك أن أغلب التحذيرات من الأزمة تتحدث عن النتائج كما لو كانت واحدة ومعممة على جميع مناطق العالم، وهو أمر غير صحيح، فباستثناء الولايات المتحدة وجوارها المباشر المتمثل في كندا، والمكسيك، ستكون حدة الركود أضعف في أوروبا، كما أن الصين ستحقق نسبة نمو تزيد على 10٪، بينما سينمو الاقتصاد الهندي بنسبة ٨٪، والاقتصاد البرازيلي بنسبة ٦٪، وستحافظ الأسواق الناشئة بصفة عامة على نمو قوي. وأخيراً وليس آخراً فإن أغلب التحذيرات من الأزمة تفشل في التفرقة بين التراجع الاقتصادي المباشر الناتج عن أزمة أسواق المال، وبين التباطؤ الاقتصادي المطلوب في حد ذاته كنتيجة لتحقيق أهداف السياسات النقدية والمالية والتجارية مثل مكافحة التضخم وتصحيح أسعار الفائدة والصرف وعلاج الخلل في الميزان التجاري وميزان المدفوعات. ومن المؤكد أن «التفنيش»، والتقليص، والتجميد نوع من «الاستغماتيزم» الاقتصادي الذي يعني النظر إلى النصف الفارغ من الكوب وتجاهل النصف الممتلئ، والذي يتمثل في الفرص التي تتيحها الأزمة لوقف الهدر والإسراف ورفع الكفاءة والإنتاجية، والبحث عن أسواق جديدة.

    طباعة