المعاني والأحذية

ياسر الأحمد

قديماً قال أبونا الجاحظ «المعاني مطروحات في الطريق، يعرفها البدوي والقروي والعجمي، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ»، ولا أعرف لماذا أتخيل أن الكلام يدور حول الأحذية وليس حول المعاني، فالطريق هو المكان المتوقع للأحذية. لكن ماذا لو كانت الأحذية والمعاني موضوعاً واحداً ،وماذا لو امتزجتا في نص يبحث عن معنى وجوده أو ضياعه فوق أرصفة الكلمات.

مرة كنت أتحدث مع أحد الأصدقاء حول فكرة نص مشترك، وحين فكرنا في البحث عن موضوع الكتابة اقترح أن نكتب عن الأحذية. ربما هذا الاقتراح يؤيد فكرة الجاحظ حول كثرة الموضوعات وتوافرها؟ فالأحذية ذات شأن كما سنرى.

وأكبر بهجات الطفل أن يلبس حذاءه الجديد، والعيد لا يتم من دون الحذاء المنتظر. تماماً كذلك الرجل الذي كتب عنه «غوغول» وعاش حياته ينتظر أن يرتدي معطفاً جديداً. والأدباء كثيراً ما يستعيرون شخصية ماسح الأحذية كنموذج واقعي، يقدمون عبره صورة عن ظلم المجتمع، أو صورة عن العصامية كما في «عمارة يعقوبيان»، أو ربما صورة عن الشخصية الشعبية البسيطة، وأحد الرحالة الغربيين يقول إنه أخذ معظم معلوماته وانطباعاته عبر حواراته مع ماسحي الأحذية، ولديستويفسكي قصة قصيرة طريفة عن ملك يعاقبه الله بأن يحوله إلى صانع أحذية حتى يستطيع الإحساس بمعاناة البشر وآلامهم.

ولعل حذاء سندريلا كان أشهر حذاء في التاريخ، فالقصة تجعل الحذاء علامة الشخص والطريقة إلى معرفته، وفقط بواسطة الحذاء تصير سندريلا أميرة الأحلام الموعودة. أما الحذاء الآخر الذي يقاربه شهرة فهو حذاء الزعيم السوفييتي خروشوف، فهذا الرجل الريفي خلع حذاءه بكل بساطة، ثم أخذ يقرع به منصة الأمم المتحدة، معبّراً عن احتجاجه أو ربما عن احتقاره.

وأبناء الريف الأكبر سناً يعرفون جيداً كيف كان الحصول على حذاء حلماً تمر الليالي دون أن يتحقق، وأن تركض حافياً في الريف سلوك معتاد ولا يثير الاستغراب، كما يحدث عندما نشاهد رجلاً حافياً في فندق فخم مثلاً. لكن المتعة يمكن أن تكون عندما تركض حافياً على شاطئ البحر ثم يستقبلك حضن من تحب.ذلك شعور آخر جميل. يشابهه غزل بشار بن برد بالحذاء عندما يقول:

إذَا وُضعتْ في مجلس القوم نعلُها

تَضَوع مسكاً ما أصابت وعنبرا

ومن الأحذية الشهيرة والطريفة حذاء الطنبوري الذي اشتهر بالبخل، وحين قرر التخلص من حذائه المليء بالرقع، رماه في نهر، لكن الحذاء كان يعود إليه كل مرة مع مصيبة أو غرامة مالية.

والأحذية تثير حروباً أيضاً، فالأسطورة تروي أن الزير سالم كان يصرخ كلما قتل عدواً «بؤ بشسع نعل كليب» فكل من قتل لا يساوي أكثر من حزام نعلٍ ليس أكثر. وبذلك يكون النعل سلاحاً نفسياً كما يبدو. ولعله سلاح أيضاً لكن عبر الترامي به في بعض البرلمانات، يحدث هذا أحياناً كتنفيس عن غضب النواب أو كصورة «شبه سلمية»للخلاف. وهذا أفضل من صور أخرى تستلزم الدم والقتل. وخلع الأحذية رمز احترام وتبجيل أيضاً،وفي القرآن كانت بداية نبوة موسى أن يخلع نعليه استعداداً لتلقّي الوحي.

صدق الجاحظ، فقد انتهى الحيز المسموح به للمقالة ومازال في نفسي ما يقال عن الأحذية، وما حذاء الزيدي الشهير إلا دليل سعة أفق بعض الأحذية.

 

 ytah76@hotmail.com  

طباعة