كش ملك!

    جورج فهيم

    اعترف بأنني ضعيف في مهارات الحساب والجمع والطرح والضرب والقسمة، لكنني أتحدى جهابذة الاقتصاد والرياضيات أن يحلّوا لغز الأزمة الاقتصادية العالمية التي تستعصي على الحل، على الرغم من قيام أكثر من 20 دولة في غضون بضعة أشهر بضخ أكثر من خمسة تريليونات دولار لتغطية الأصول الفاسدة للبنوك والمؤسسات المالية المتعثرة، والتي لا تتجاوز تريليوني دولار وفقاً لأسوأ التقديرات وأكثرها تشاؤماً، أي ما يعادل مرتين ونصف حجم الخسائر الناتجة عن الأزمة.

    وربما لا تكون نظرية المؤامرة الأداة المناسبة لفهم أزمة اقتصادية عالمية بحجم الأزمة التي يشهدها العالم الآن، لكن التداعيات الاستراتيجية والجيوسياسية تحتاج إلى وقفة متأنية لمعرفة ما إذا كانت الأزمة طبيعية أم مفتعلة، ومن هو الفائز ومن هو الخاسر.

    وللوهلة الأولى يبدو الاقتصاد الأميركي الذي يتجاوز حجمه 14 تريليون دولار هو الخاسر الأكبر، وربما يكون ذلك صحيحاً على المدى القصير، لكن على المدى الطويل فإن الاقتصاد الأميركي هو الفائز الأكبر، لأن الأزمة الاقتصادية أجهضت ولفترة طويلة مقبلة الاتجاه العالمي المتزايد لتحويل الاحتياطات العالمية من العملات الأجنبية من الدولار إلى اليورو، وبالتالي أخرجته من حلبة المنافسة كعملة بديلة منافسة وأعادت تأكيد دور العملة الأميركية في الاقتصاد العالمي.

    وبالإضافة إلى ذلك، فإن حالة الرعب والفزع التي سببتها الأزمة جعلت المستثمرين في مختلف أنحاء العالم يتجهون إلى شراء سندات الخزانة الأميركية باعتبارها ملاذاً آمناً رغم انخفاض مستوى العائد عليها، والهروب من شراء الأصول المقومة باليورو والسندات الأوروبية، ما أظهر ضعف الاقتصاد الأوروبي وعدم قدرته على الحركة باعتباره كتلة واحدة ذات استراتيجية مشتركة، وبعبارة أدق كلما انتشرت الأزمة كلما تدفقت رؤوس الأموال على الاقتصاد الأميركي لمساعدته في التغلب على اختلالاته الهيكلية وزيادة قدراته التنافسية.

    وهذا التحول المباغت الذي يشبه حركة «كش ملك» في لعبة الشطرنج لا يعني فقط إضعاف النفوذ السياسي والاقتصادي والاستراتيجي للاتحاد الأوروبي الذي فرضت أميركا الوصاية عليه، وإنما يعني أيضاً تعطيل مسيرة نمو التنين الصيني الذي يعتمد على الصادرات لمواصلة النمو، وبالتالي فإن الصين ستجد نفسها مضطرة إلى التركيز على الداخل لمواجهة التوترات الشديدة بين الساحل الصناعي الغني وبين الداخل الزراعي الفقير.

    وبالإضافة إلى هذا وذاك، فإن الأزمة وضعت نهاية للارتفاع المتواصل في أسعار البترول، التي انخفضت بدورها من 147 دولاراً للبرميل إلى 47 دولاراً خلال ستة أشهر فقط، وهذا يعني إضعاف خصوم أميركا في الخارج بدءاً من روسيا ومروراً بإيران وانتهاءً بفنزويلا.

    ونظرة واحدة على كشف حساب الأرباح والخسائر للأزمة الحالية تؤكد أن الخسائر الأميركية التي سيدفع فاتورتها في كل الأحوال المستثمرون الدوليون ليست بالضخامة التي يحاول الإعلام الأميركي تصويرها، فرغم كل شيء، فقد نما الناتج المحلي الأميركي بنسبة 2٪ خلال النصف الثاني من عام 2008 بينما فقد الاقتصاد الأميركي أكثر من 50٪ من حجمه خلال ثلاث سنوات إبان أزمة الركود الاقتصادي العظيم في القرن الماضي، التي يقال إن الأزمة الحالية أكثر شراسة منها

    طباعة