استعادة إيقاع الشرق

أحمد السلامي

يبدو السلم الموسيقي الخماسي في الأغاني الإثيوبية المرحة وكأنه الرمز الذي يحمي هوية إفريقيا من الاندثار، فلن تجد مطرباً حبشياً يحيد عن هذه الخصوصية بمبرر التجديد، ولايزال أكثر من 70 مليون إثيوبي يرقصون على إيقاعات ألهمت الآخرين من دون أن تتبدل.

ويمكن الحصول على أسطوانة أغانٍ إثيوبية بسهولة، لكن الحصول على رواية أو قصيدة مترجمة إلى العربية أمر صعب للغاية.

لقد استقرت الثقافة العربية طوال العقود الماضية على الاهتمام بالمخزون الغربي في الفكر والأدب والاقتصاد، وكأن جهات الأرض كلها ذابت في جهة واحدة هي الغرب، فترك العرب جيرانهم في إفريقيا وآسيا، ولم يترجموا من آداب الشرق إلا الأعمال التي ذاع صيتها في أوروبا أو في أروقة الأكاديمية السويدية التي تمنح جائزة نوبل.

وعلى سبيل المثال فإن الروائي التركي الشهير أورهان باموق كان سيظل مجهولاً في أوساط القراء العرب لولا أنه حصل على جائزة نوبل.

ومع ذلك، ومن باب الحفاظ على ماء الوجه، ظهرت بعض الكتابات التي قال أصحابها إنهم كانوا يدركون حجم الموهبة التي يتمتع بها باموق، وفي حقيقة الأمر فإن بطء حركة الترجمة في المنطقة العربية يدل على أننا لا نعرف شيئاً عن الأدب المعاصر في تركيا أو إيران.

أما بالنسبة للهند فقد اكتفينا بالتعرف إلى ملامح من إبداعات شاعرها العظيم طاغور، إلى جانب مشاهدة الأفلام الهندية التي أتاحت للكثيرين فرصة التوحد مع شخصية البطل الذي ينجح دائماً في الانتقام من الأشرار الذين اختطفوا حبيبته.

أتذكّر في هذا السياق شكوى مريرة أطلقها عبر إحدى الفضائيات دبلوماسي عربي يعمل في نيودلهي، قال إن تجاهل العرب للهند جعل ساحتها خالية للدولة العبرية، بينما كانت الأولى أيام عبدالناصر ونهرو ضمن الدول المناصرة للعرب، لكن هل الثقافة الهندية مجرد أفلام سينمائية متشابهة، أم أن التعدد في ذلك البلد له تجليات ثقافية ذات قيمة إنسانية وحضارية لم نحاول استيعابها والتحاور معها؟ فمن منا قرأ رواية هندية مترجمة إلى العربية باستثناء بعض الأعمال السردية التي حصلت على صكوك الشهرة من دور النشر في لندن أو من جائزة غونكور؟! ويبدو حالنا كذلك مع آداب الصين واليابان وشرق آسيا، إذ إن علاقاتنا مع هذه الدول محصورة في الجانب الاقتصادي البحت، مع أن بلداً كاليابان ليس مجرد مصنع كبير للسيارات، أو استوديو لأفلام الكاراتيه، كما أن ماليزيا ليست محطة لتجميع الأجهزة الإلكترونية فقط، فهذه شعوب تحتضن كثافة بشرية هائلة ولها مخزون حضاري يفوق الحضارة الغربية من جهة العمق التاريخي ومن جهة تحقيقها معدلات نمو مرتفعة تضمن لها التحول في المستقبل القريب إلى ندّ قوي ينافس الدول الصناعية الكبرى، وعلاوة على ذلك فإن معظمها ذات أغلبية إسلامية، ويكفي أن الشمس التي تشرق في سماء جاكرتا ومومباي وأديس أبابا هي ذاتها التي تشرق في سماء الإسكندرية وبيروت وبغداد وغيرها من مدن الشرق. السؤال الآن هو: إلى متى سنظل نرقص على الإيقاع الغربي ونربط مستقبل التنمية في بلداننا بمؤشرات أسواق اتضح أنها بحاجة لقواعد جديدة تضبط إيقاعها المنفلت؟!

طباعة