منتديات الغرف المغلقة

أحمد السلامي

فجأة ومن دون مقدمات منهجية، أصبح العديد من القضايا الثقافية والاجتماعية العالقة في المنطقة العربية مجالاً خصباً للبحث والنقاش، ولكن ليس في أروقة الجامعات ومراكز الأبحاث المتخصصة، وليس من خلال الدراسات الميدانية المباشرة، بل في قاعات مغلقة تحتضنها الفنادق الراقية.

ومن خلف الجدران العازلة للصوت، وفي أجواء مكيّفة ومريحة، تنبثق التوصيات المثالية التي تقفز على الواقع وتبتكر حلولاً للقضايا المعقدة بعيداً عن الشرائع المعنية بالمشكلات المطروحة للنقاش.

ومن الغريب أن هذه الموضة من الفعاليات المعلّبة تزداد انتشاراً، وأصبح لدينا خبراء عرب متخصصون في تسويق الوهم والتنقل بين المطارات والفنادق بأوراق عمل مكررة، تتغيّر عناوينها فقط.

وفي ظل هذا الزخم باتت بعض العواصم تعتمد اعتماداً كبيراً على ما يمكن تسميته بسياحة المؤتمرات والندوات، وتجسد بعض هذه الأنشطة بحواراتها المسترخية قمة التعالي و«الفهلوة» على الواقع والهرب من استحقاقاته إلى الأمام، عبر إضاعة الوقت وتخدير الذات بأفكار ومشاريع نظرية تنتجها نخبة ما يسمى بالعاملين في مؤسسات المجتمع المدني، ولدينا اليوم عدد لا بأس به من المنظمات والأفراد الذين يعتاشون على ذمة البحث عن حلول لهموم المجتمع في كل المجالات بلا استثناء.

تأتي هذه الموجة الجديدة بعد أن تقلصت إلى حد ما موجة المحاضرين المتخصصين في توجيه الأفراد إلى اكتشاف الطاقات الكامنة في الشخصية وتنمية قدرات التأثير في الآخرين، ويذكرك هؤلاء أيضاً بصاحب كتاب «كيف تصبح مليونيراً» الذي أصبح هو المليونير الوحيد بسبب التهافت على كتابة من قبل الراغبين في معرفة أسرار تكوين الثروة.

ومن حيث المبدأ لا جدال حول أهمية الدور الذي يمكن أن تقوم به مؤسسات المجتمع المدني في مجال تطوير المبادرات الأهلية المستقلة وتفعيلها، لكن المشكلة أن أغلب هذه الكيانات تعتمد في تسيير أنشطتها على جهات ومؤسسات دولية يقترن تمويلها بفرض أجندة مستوردة، تتضمن أولويات ومفردات مستهلكة يتم تعميمها على كل المجتمعات النامية من دون تفكير في الخصوصيات التي تميّز هذا الإقليم الجغرافي أوالسكاني عن الاقليم الآخر.

ومن أبرز المواضيع التي تركز عليها المنظمات الدولية المانحة قضايا الطفولة والشباب والمرأة والنوع الاجتماعي، ويجري التطرق لهذه المحاور في معظم المنتديات، وفقاً لأجندة لا تفرق على سبيل المثال بين خصوصيات دول أميركا اللاتينية ودول مجلس التعاون الخليجي.

فحين تتم مناقشة قضايا الشباب في المنطقة العربية باعتبارهم يمثلون الشريحة الأعلى عدداً في التركيبة السكانية، تجد أن محاور النقاش تتضمّن مجموعة من المفردات التي دأبت مؤسسات التمويل الغربية على حشرها في كل المنتديات الشبابية، ومن هذه المفردات «التمكين، المواطنة، المشاركة، الجندر، الكوتا»، وغيرها من المصطلحات المترجمة بطريقة آلية، وكأن اللغة العربية غير مؤهلة لابتكار المصطلحات القادرة على التعبير عن واقعنا المعاصر بهمومه المختلفة.

salamy77@gmail.com

طباعة