تمخّض الجبل فولد فأراً!

    جورج فهيم

     تمخض الجبل فولد فأراً.. هذا هو أدق تعبير للنتائج المتوقعة لاجتماع قمة مجموعة العشرين التي حجّ زعماؤها إلى واشنطن التماساً لحل يخرج الاقتصاد العالمي من حالة الغيبوبة التي يعيش فيها بسبب أزمة الائتمان العالمية.

    ورغم أن الدول الأعضاء في هذه المجموعة تنتج 90% من إجمالي الناتج العالمي، فإن هناك قائمة طويلة من الأسباب التي تدعو إلى الاعتقاد بأن القمة ستكون فرصة عظيمة لإلقاء الخطب الحماسية والتقاط الصور التذكارية، أولها أن الرئيس الأميركي جورج بوش مضيف القمة سيغادر البيت الأبيض خلال شهرين فقط، ولا يستطيع أن يقيّد يد خلفه أوباما ـ الذي يختلف مع سياساته الاقتصادية في كل شيء ـ باتفاقات وترتيبات اقتصادية ومالية لن يكون هو طرفاً فيها.

    والسبب الثاني والأهم هو أن الخلافات بين الدول المشاركة في القمة حول مدى الإصلاحات المطلوبة في النظام المالي العالمي وعمقها، أكبر من أن تتجاوزها النيات الحسنة خلال 48 ساعة فقط، ففي الوقت الذي تطالب فيه فرنسا وأستراليا بقدر أكبر من الإشراف الحكومي، تقف أميركا وبالمرصاد لهذه المحاولات، وفي الوقت الذي ترغب فيه الدول الناشئة مثل الهند والبرازيل والأرجنتين، بقدر أكبر من المشاركة في صنع القرار المالي العالمي تصرّ مراكز صناعة المال التقليدية على احتكار عملية صناعة القرار لنفسها.

    وأخيراً وليس آخراً  تثبت التجارب التاريخية أن القمم المماثلة التي أعقبت الأزمات الاقتصادية في آسيا وأميركا اللاتينية، خلال العقد الماضي بدأت بطموحات كبيرة وانتهت بخيبة آمل أكبر، ولم تسفر عن شيء سوى كثير من الكلام وقليل من الفعل.

    بل لعلي لا أبالغ إذا قلت أن هذه القمة ستكرس الخلافات السياسية والاقتصادية التي تضع الدول الغربية الصناعية في ناحية، وبقية العالم في ناحية أخرى، بعد أن اكتشف العالم أن الدول الغربية التي اكتوت بنيران الأزمة هذه المرة ضربت عرض الحائط بالوصفة السحرية التقليدية التي كانت تشترطها لمساعدة الدول التي تتعرض لأزمات، والتي كانت تبدأ عادة بالرفض القاطع لإنقاذ البنوك المتعثرة والإصرار على رفع أسعار الفائدة، وإتاحة القليل من النقود والكثير من التقشف.

    ومن المؤكد أن إخراج الاقتصاد العالمي من الأزمة التي يمرّ بها، فضلاً عن الحيلولة دون وقوع أزمات مماثلة مستقبلاً، يحتاج إلى تغييرات جذرية ترقى إلى اتفاق «بريتون وودز» جديد ينقل مهمة الرقابة والإشراف على أسواق المال العالمية، من قبضة الحكومات الغربية إلى سلطة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بما يعطي للدول النامية التي تُـجلد بسياط هذه المؤسسات تمثيلاً حقيقياً يسمح لها بالمشاركة في صنع القرار.  ولعل الرئيس بوش كان أبلغ  المشاركين في القمة وأصدقهم، عندما أعلن ومنذ البداية  سلسلة لاءاته الشهيرة التي تبدأ بـ «لا» لنظام عالمي مالي جديد و«لا» للتدخل الحكومي و«لا» للتراجع عن آليات السوق، وباختصار، وعلى حسب تعبيره فإن المطلوب إصلاح العطل ومواصلة السير في المركبة نفسها.

    georgefahim_63@hotmail.com

    طباعة