لغاتُ السر السبع

ياسر الأحمد

قبل أيام كنت أتحدثُ إلى أحد أصدقائي عن زيارة مفترضة للقاهرة، فقال لي: «المكان الأهم الذي أريد زيارته سيكون ضريح السيد البدوي في طنطا». صديقي هذا ليس رجلاً متديناً بأي شكل من الأشكال، لكنه مع ذلك لا يزور دمشق من دون أن يقف على ضريح ابن عربي، فهو يجد في التجربة الصوفية، اجتماعياً ولغوياً، ملاذه الشخصي الخاص.

لكن لماذا ينحاز الكثير من غير المتدينين للتجربة الصوفية بالذات؟ فهم لا يتعاطفون مع تجربة الإخوان المسلمين مثلاً، ولا يجدون مكاناً لهم في فسطاط الخير بجانب بن لادن.

هناك تفسيرات متعددة لهذا الاختيار، لكن ما يهمني اليوم هو الجانب اللغوي مرافقاً لصيغة اجتماعية، فاللغة الصوفية تميل لجعل الكون حدائق من نور، كما يقول «ماني»، وتركز على دور اللغة في إعادة إحياء مستمر ويومي للذات، بحيث يستطيع الإنسان، عبر التباسات الشطح الصوفي، أن ينتج ذاته بشكل مختلف دائماً. فعبر اللغة تتغير رؤية الكون لتصبح في إطار عام يمكن تسميته بـ«المعرفة القلبية»، بحيث يتم المزج بسهولة بين الحب والعقل، بحسب المتصوفة.

فالكون وُجد عبر القلم بدايةً، ثم انتقل الوجود إلى اللوح المحفوظ، لتصير اللغة أو الكتابة طريقة الخالق في خلقه. وهذه الخلاصة هي التي لاحظتها الروائية نجوى بركات في روايتها «لغة السر»، ففي قرية «اليسر» يحفظ اللوح تحت حراسة كبار المتصوفة كابن عربي الشيخ الأكبر والبسطامي مثلاً.

ولكن اللوح يسرق لتدور اللغة في احتمالات كثيرة، فربما استطاع سارقه تغيير مسار القدر، واللعب بمصائر الكون، وعبر تغيير اللغة دائماً، فالتجربة الصوفية هنا ليست حدثاً راكداً مرتبطاً بتوهيمات اللغة فقط. إنها احتمالات دائمة وتغيرات متوقعة، بل وحبكة بوليسية في بعض الأحيان، بحيث يبدو الإنسان الكامل ملاذاً للجريمة أحياناً.

فالفيض الصوفي لا يأتي بمعزل عن محيط اجتماعي خاص، بل هو عبر تأثيراته الاجتماعية، يعيد ترتيب الحياة الداخلية للمجتمع بكامله، وهذا ما يركز عليه الروائي المصري الراحل عبدالحكيم قاسم في روايته الممتعة «أيام الإنسان السبعة»، فهو يعيد تنسيق مولد السيد البدوي روائياً، ويقدم لنا سـرداً سلساً وقادراً على وضعنا في طقـوس الإعـداد للمـولد في ريـف الدلـتا المصـرية.

فعبر الارتباط الروحي المستمر بالسيد البدوي تعاد صياغة يوميات الأفراد في تلك القرية، بحيث يبقى الاستعداد للمولد كامناً في تصرفاتهم بشكل يومي. وكأن وحدة الوجود الصوفية تتحول في صعوبات الحياة اليومية إلى وحدة الهدف الذي يبتغيه الجميع في القرية. وبذلك يمكن ملاحظة تأثير اللغة الصوفية كشكل من أشكال الحياة الاجتماعية.


فالمتصوف يتوصل عبر انغماسه في حياته اليومية إلى دمج  فريد، وهذا الدمج يستطيع تحويل العلاقة اللغوية إلى حضور رهيف أشبه ما يكون بكائن ليلي حالم عبر حلقات الذكر المسائية.

ytah76@hotmail.com 

طباعة