ليس كل من يمرض يموت!

    جورج فهيم

    بعض الفاشلين ممّن عجزوا عن تحقيق التنمية الاقتصادية أو رفع مستوى المعيشة في بلادهم، وجدوا في الأزمة الاقتصادية العالمية فرصة للشماتة، والتشكيك في الإنجازات التي حققتها دول طورت مشروعات عملاقة، وسارت على درب الانفتاح والاندماج في الاقتصاد العالمي، وفتحت أبوابها أمام الاستثمارات الأجنبية. 

    والأزمة التي يمر بها العالم هي من وجهة نظرهم نهاية التاريخ، ومصير الأسواق الناشئة خلالها محكوم عليه بالإعدام، ولا مجال للنجاة إلا بالعودة إلى الارتماء في أحضان الاشتراكية أو الانكفاء على الذات والعزلة عن العولمة، أو حتى البحث عن نظم وبدائل جديدة لم تكتمل ملامحها ولم تتح لها الفرصة أبداً للاختبار والتجريب، وكأن كل من يمرض يموت؟! 

    الأسواق الناشئة تأثرت أكثر من أسواق الدول المتقدمة بالأزمة المالية الحالية، فعلى سبيل المثال فقدت أسواق الأسهم في الصين نحو 76% من قيمتها في عام 2008، بينما بلغت نسبة الانخفاض في الأسهم الروسية 72%، و66% في كوريا، و65% في تركيا. وخسرت الأسواق الخليجية أكثر من 200 مليار درهم، في حين لم تتجاوز نسبة الانخفاض في الأسهم الأميركية 35%.

    وليس هناك شك في أن تحمّل أسواق الدول الناشئة للجانب الأكبر من الخسارة ناتج عن آليات العولمة التي لا تحكم فقط بشروط الحصول على رؤوس الأموال من الأسواق العالمية، وإنما أيضاً شروط تبادل السلع والخدمات.

    ولكن ورغم هذه المفارقة فإن أسواق الدول الناشئة ستخرج من هذه الأزمة في وضع أفضل مما كانت عليه قبلها لأسباب عديدة في مقدمتها أن أسواق الدول الناشئة سواء في الشرق الأوسط أو في آسيا ترسخت لديها ثقافة الادخار  في مقابل ثقافة الإنفاق التي استشرت في الدول المتقدمة، وليس سراً أن أغلب احتياطات العالم من النقد الأجنبي هي في حوزة الدول الناشئة، والصين وحدها تسبح فوق بحيرة من النقد الأجنبي تقدر بنحو  تريليوني دولار.

    وبالتالي فإن الأزمة ستؤدي إلى تبادل الأدوار بين الدول المتقدمة التي كانت المقرض الأساسي في الماضي، بينما تعاني الآن من ندرة هائلة في رؤوس الأموال، والدول الناشئة التي كانت المقترض الأساسي، بينما تعاني من تخمة الآن في رؤوس الأموال.  

    وإلى جانب توافر الاحتياطات الضخمة وزيادة معدلات الادخار فإن أسواق الدول الناشئة تملك ميزة مهمة أخرى تفتقر إليها أسواق الدول المتقدمة، وهي رخص الأيدي العاملة، فأجر مهندس الكومبيوتر في أميركا في الساعة على سبيل المثال يصل إلى 100 دولار، بينما لا يتجاوز أجر مهندس الكومبيوتر في الهند خمسة دولارات في الساعة، وهذا الفارق الرهيب في تكلفة الأيدي العاملة سيعني أن الشركات الدولية مضطرة إلى نقل الجانب الأكبر من عملياتها إلى الدول الناشئة.

    وليس معنى ذلك بطبيعة الحال أن تستلقي الدول الناشئة على ظهرها في انتظار الخير والازدهار، وإنما هناك سلسلة من الإجراءات الضرورية التي يتعين القيام بها في مقدمتها تحسين مناخ الاستثمار وتعزيز حماية حقوق الملكية الفكرية والتحكم في الزيادة السكانية والإنفاق الحكومي والسياسات الائتمانية المتراخية التي تحول دون التخصيص الكفء للموارد.

    طباعة