الحرب المالية الثالثة!

    جورج فهيم

    الأزمة المالية التي بدأت بحفنة من الأصول الرديئة لبعض البنوك الأميركية المتعثرة، تتحول الآن إلى حرب مالية عالمية مؤلمة، مكلفة، وطويلة، تهدد بمحو عقود من تدفق رؤوس الأموال عبر الحدود، وإحداث عاهات مستديمة ليس فقط في الاقتصاد، وإنما أيضاً في السياسية والسلم العالمي، ربما تفوق حجم الدمار الذي أحدثته الحربان العالميتان اللتان شهدهما العالم في القرن الماضي.

    ومن يشعر بأن هذا الكلام نوع من المبالغة والتهويل والتشاؤم المرضي، ليس عليه إلا أن ينظر إلى ما حدث في «آيسلندا» التي عجزت عن سداد ديونها ودفع قيمة وارداتها، بعد أن تجاوزت ديون البنوك المتعثرة لديها 10 أمثال إجمالي ناتجها المحلي؟! وبدلاً من أن يرمي المجتمع الدولي إليها طوق النجاة تركها وحدها تصارع الأمواج العاتية، لأن الجميع مشغولون بتحصين قلاعهم ضد الطوفان، وعلى كل دولة أن تدبر نجاتها بنفسها، ولا تتطلع إلى معونة تأتيها من الخارج، مثلما كان يحدث في كل الأزمات المالية السابقة.

    والمصير المظلم الذي تواجهه «آيسلندا» يخيم فوق رؤوس الكثير من الدول الصغيرة والناشئة ممن لم يكن لها دور في صنع الأزمة، فمع توالي إعلان إفلاس الشركات والبنوك، وغياب السيولة اللازمة لطمأنة الدائنين واستعادة الثقة بالأسواق، سيستمر مسلسل هروب رؤوس الأموال الأجنبية عبر الحدود، وسينتقل فيروس الإفلاس من الشركات والبنوك إلى الحكومات.

    ونظرة واحدة على سجل الأزمات المالية الدولية السابقة سواء في الدول الآسيوية أو في الأرجنتين والمكسيك، تكشف أن الحكومات في مواجهة الأزمات المالية وغياب الجهد الدولي المنسق لمساعداتها تتعرض لضغوط هائلة لتغيير التشريعات وقوانين الإفلاس، لإعطاء أولوية للمستثمرين والدائنين المحليين على حساب المستثمرين والدائنين الأجانب.

    وبمجرد أن يحدث ذلك ستنطلق سلسلة لا نهائية من الأفعال وردود الأفعال، وستجد الحكومات نفسها مضطرة لاتخاذ إجراءات مضادة وعقابية ضد غيرها من الحكومات المتعثرة، مثل تجميد ومصادرة الأصول، والامتناع عن سداد المستحقات، وإلغاء المعاملات التجارية، ووقف التدفقات الاستثمارية، والدخول في دوامة لا تنتهي من المنازعات القضائية.

    ومن المفارقات التي كشفت عنها الأزمة أن الكثير من الدول النامية والناشئة والصغيرة وفي مقدمتها الإمارات، كانت أسرع من النظم الرأسمالية العتيدة في التحرك لضخ الأموال في الأسواق وتوسيع نطاق ضمان الودائع المصرفية وإعادة هيكلة رأسمال البنوك، وليس سراً أن إجمالي التدفقات النقدية التي قدمتها الأسواق الناشئة لإنقاذ المؤسسات المالية الغربية المتعثرة تجاوز حتى الآن أكثر من 40 مليار دولار خلال عام واحد، وهو مبلغ يتجاوز إجمالي القروض التي قدمها صندوق النقد الدولي لمساعدة الدول النامية.

    هذا التضارب الصارخ نتيجة طبيعية للفوضى التي يشهدها عالم يعيش فيه الأغنياء على مدخرات الفقراء، ويحمل فيه الضعفاء الأقوياء على أكتافهم، وتنهمر فيه رؤوس الأموال على المفلسين والمغامرين.

    طباعة