مختصان: يستهدفون جمع مبالغ مالية وزيادة المتابعين
خطّابات ومؤثرون يُروّجون لزواج «المسيار» بمعلومات مضللة
حذّر مختصان في القانون والأسرة من انتشار محتوى رقمي عبر منصات التواصل الاجتماعي، يستغله بعض المؤثرين ومن يمتهنّ مهنة الخطّابة من خارج الدولة، لزيادة أعداد المتابعين وحصد التفاعلات، من خلال ترويج معلومات مضللة وخاطئة عن «زواج المسيار»، وتقديمه للشباب حلاً عملياً وبديلاً عن منظومة الزواج التقليدي.
وأكدا أهمية تكثيف الحملات التوعوية التي توضح أهمية ومفاهيم الزواج الصحيح، مشيرين إلى خمس معلومات مغلوطة تجافي الحقيقة بشأن ما يُروّجه المؤثرون عن زواج المسيار، وتخالف الضوابط الشرعية والقانونية المقررة في الدولة، تتمثّل في الترويج بأن زواج المسيار محدد المدة، وأنه يتم من دون موافقة ولي الأمر، أو من دون حضور شهود، أو من دون الحاجة إلى الإشهار، إضافة إلى الزعم بأنه زواج غير موثق رسمياً ولا يترتب عليه أي التزامات شرعية تجاه الشريكين.
ورصدت «الإمارات اليوم» انتشار مقاطع فيديو لمؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي من خارج الدولة، يشجعون على زواج المسيار، بزعم أنه لا يترتب عليه أي التزامات ومسؤوليات بين الشريكين، بينما تدّعي حسابات أخرى لخطّابات مسيار سري ومعلن، قدرتهن على تسهيل عملية التوفيق بين الأزواج بمقابل مبالغ مالية، كما تنتشر إعلانات وهمية عن راغبات في الزواج يبحثن عن شريك حياة من دون الحاجة إلى تكاليف أو التزامات مالية.
مسؤولية التوضيح
من جانبه، قال المستشار القانوني، الدكتور يوسف الشريف، إن بعض المختصين يخشون الحديث عن زواج المسيار، ربما لحساسية الموضوع أو خشية أن يُفهم حديثهم بوصفه تشجيعاً عليه، لكن الامتناع عن مناقشته لا يلغي وجوده، بل يترك الساحة لحسابات التواصل الاجتماعي وبعض الوسطاء والخطّابات كي يعيدوا تعريفه وفق مصالحهم، فيقدمونه أحياناً باعتباره زواجاً مؤقتاً، أو علاقة بلا ولي أو شهود أو توثيق.
وأوضح الشريف أن زواج المسيار ليس نوعاً مستقلاً من عقود الزواج في القانون، ولا تصدر المحاكم عقداً يحمل هذا الاسم، فالمحاكم تُوثّق عقد زواج واحداً مستوفياً للأركان والشروط القانونية والشرعية، بصرف النظر عن الأوصاف الاجتماعية التي يطلقها الناس عليه.
أما «المسيار» فهو تسمية تصف الكيفية التي ينظم بها الزوجان حياتهما بعد العقد، وفي الأغلب تقوم على قبول الزوجة بعدم مطالبتها ببعض حقوقها القابلة للتنازل، كالمسكن المستقل أو المبيت المنتظم أو بعض صور النفقة، مع بقاء أصل الزواج وآثاره.
إيجاب وقبول
وأشار إلى أنه بحسب قانون الأحوال الشخصية الإماراتي، يجب أن يقوم الزواج على رضا الزوجين، وإيجابٍ وقبولٍ منجزين لا يدلان على التأقيت، وتعيين الزوجين، وانتفاء موانع الزواج، وتوافر الولي متى اشترطه القانون، وحضور الشهود، وتوثيق العقد أمام المحكمة، ومن ثم فإن القول إن المسيار ينعقد برسالة خاصة بين رجل وامرأة، أو بعيداً عن الولي والشهود والجهة المختصة، لا يُمثّل صورة أخرى من الزواج، وإنما يفتح الباب لعلاقة مجهولة المصير وغير مأمونة الحقوق، وأكد أن المسيار يختلف جذرياً عن زواج المتعة أو الزواج المؤقت، لأن الزواج المؤقت يقوم منذ بدايته على مدة محددة ينتهي بانقضائها، بينما يجب أن يكون عقد المسيار غير محدد بزمان، فإذا اتفق الطرفان على أن يستمر الزواج شهراً أو حتى انتهاء رحلة أو إجازة، لن تغيّر تسمية «المسيار» من حقيقة الاتفاق، لأن العبرة بالمضمون وليس بالعنوان، ولا يجوز التحايل على حظر التأقيت بترك المدة خارج الوثيقة والاتفاق عليها سراً.
أما الإشهار، فلا يعني بالضرورة إقامة حفل كبير أو نشر صور الزوجين على وسائل التواصل، لكنه يعني إخراج العلاقة من دائرة السرية المريبة، بعلم الولي حيث يكون وجوده واجباً، وحضور الشهود، وتوثيق العقد، وعدم إنكار الزوجة أو إخفائها على نحو يهدر كرامتها وحقوقها، فالتوثيق ليس مجرد إجراء إداري، بل الضمان الأساسي لإثبات الزوجية والنسب والميراث وسائر الحقوق.
وأكد أن زواج المسيار لا يُعدّ نموذجاً مثالياً لكل الناس، ولا يبرر تقديمه باعتباره زواجاً قليل الكُلفة وعديم المسؤولية، فالزوجة قد تتنازل عن بعض حقوقها، لكنها لا تتنازل عن صفتها زوجة ولا عن كرامتها، كما أن التنازل يجب أن يكون صادراً عن إرادة حرة واعية، لا نتيجة لخداع أو ضغط أو استغلال لحاجة مالية أو اجتماعية، والأفضل إثبات ما يتفق عليه الطرفان بوضوح، حتى لا يتحول التفاهم الشفهي لاحقاً إلى نزاع.
نَسَب الأبناء
وأشار إلى أن زواج المسيار لا يُسقط نَسَب الأبناء أو نفقتهم أو حقهم في الرعاية والميراث، كما لا يمنع التوارث بين الزوجين، فهذه آثار يرتبها عقد الزواج الصحيح، ولا يجوز محوها بتسمية اجتماعية أو اتفاق خاص، وحتى تنازل الزوجة عن بعض حقوقها الشخصية لا يمتد إلى حقوق الأطفال، لأنها حقوق مستقلة لا تملك إسقاطها.
وتثير القلق إعلانات بعض الخطّابات والحسابات التي تعرض «زواجاً مؤقتاً» من فتيات لأيام أو أسابيع، أو تعد بزواج من دون ولي أو شهود أو توثيق، فهذه الإعلانات لا تقدم خدمة زواج مشروعة لمجرد استخدامها كلمات دينية، وقد تنطوي بحسب حقيقتها على تضليل أو احتيال أو استغلال أو تسهيل علاقات غير مشروعة، لذلك يجب التحقق من القائمين عليها ومن حقيقة ما يقدمونه، وعدم تسليم الأموال أو البيانات الشخصية لهم، مع الإبلاغ عن الإعلانات المشبوهة، وأكد أن المسيار لا يصبح باطلاً لمجرد اسمه، ولا يصبح صحيحاً لمجرد أن أصحابه أطلقوا عليه اسم الزواج، فالمعيار هو عقد دائم غير مؤقت، ورضا حقيقي، وولي وشهود وفقاً للقانون، وتوثيق رسمي، ووضوح في الشروط، وصون لكرامة المرأة وحقوق الأبناء، وما عدا ذلك لا يُعدّ زواج مسيار مختلفاً عليه، بل تحايل على الزواج ينبغي كشفه لا تجميله.
خطورة بالغة
من جانبه، حذّر المستشار الأسري، الدكتور سيف الجابري، من الخطورة البالغة التي يُشكّلها بعض مؤثري منصات التواصل الاجتماعي على بنية المجتمع الأساسية، عبر تقديم معلومات مضللة، وتحديد مقاييس مغلوطة حول منظومة الزواج.
واعتبر أن ما يُروّج له هؤلاء بات «مما عمت به البلوى» في هذا الزمان، وسط غياب المعرفة الحقيقية لديهم واعتمادهم على وسائل لا يمكن التثبت من صدقها.
وأوضح الجابري أن بعض المؤثرين يزرعون الفتن ويباعدون الشباب عن جادة الصواب، من خلال تنفيرهم من مسؤوليات الزواج، والتقليل من قيمة الزواج الشرعي الأصيل وغاياته السامية المتمثّلة في الاستقرار الفطري، والتناسل، والإنجاب، والتربية، والمشاركة الفاعلة في بناء المجتمع.
علاقات هشة
وأشار إلى أن ما يطرحه البعض عبر وسائل التواصل الاجتماعي بات يصور الزواج كأنه مجرد «متعة جسدية بالتراضي من دون التزامات»، ويُروّج لبناء علاقات هشة تحت مسميات زائفة، مثل «زواج التنازل، أو المسيار، أو المسفار»، والبحث عن الرفاهية الكاذبة، واصفاً من يصدقهم كمن «يهرب من الرمضاء إلى النار» كون ما يرجون له لا يرتقي أبداً إلى الصواب والأصل الفطري لبناء الأسرة.
وأعرب عن استغرابه من تصدر أشخاص غير مؤهلين للحديث في هذه القضايا الحساسة، حيث يتكلم عن الزواج والطلاق من لم يخض تجربة الزواج أصلاً، ومن لم يربِّ أطفالاً أو يؤسس بيتاً.
تقنين الفضاء الإلكتروني
وشدد الجابري على ضرورة وقوف الجهات المختصة في الدولة صفاً واحداً وطابوراً قوياً أمام هؤلاء المؤثرين لتقنين هذا الفضاء الإلكتروني، عبر وضع نظم رادعة وعقوبات صارمة على الأقوال والممارسات غير المسؤولة، انطلاقاً من قاعدة «من أَمِن العقوبة أساء الأدب».
ودعا الأفراد إلى اللجوء إلى أهل الاختصاص والمستشارين الأُسريين لاستقاء المعلومات المتعلقة بالزواج، وكذلك على مؤسسات المجتمع التكاتف جنباً إلى جنب للحفاظ على تدفق المعلومات الصحيحة والسليمة، وحماية الأسرة من التشتت والاضمحلال تحت وطأة المسميات الزائفة، ليبقى المجتمع متلاحماً وضامناً لسلامته تحت مظلة الضوابط الشرعية والقانونية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news