المحاكاة الساخرة دليل إدانة.. وإشارة «الذبح» تقود إلى الحبس
لتلافي المسؤولية.. صُنّاع محتوى يطلقون إيماءات مُهينة على «اللايفات» بدلاً من الشتائم
كشفت قضايا حديثة مرتبطة بالبثوث المباشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي أن المساءلة القانونية لا تقتصر على الكلمات المكتوبة أو المنطوقة، بل قد تمتد إلى الإشارات الجسدية والحركات التي يؤديها المستخدم أمام الكاميرا، متى حملت في سياقها دلالة على التهديد أو الإهانة أو التحريض.
وأكدت متخصصات في القانون والتوعية المجتمعية لـ«الإمارات اليوم» أن تجنب الألفاظ الصريحة لا يمنح المستخدم حصانة من المساءلة، إذ قد تكون حركة يد، أو إشارة بالوجه، أو نبرة صوت مصطنعة، أو محاكاة ساخرة، وجميعها أفعال قد تقود مرتكبها إلى المساءلة.
وأوضحن أن البث المباشر ينتج مادة مرئية وصوتية قابلة للحفظ وإعادة العرض والتحليل، ما يتيح فحص تفاصيل قد لا ينقلها التفريغ الكتابي من بينها تعابير الوجه واتجاه النظر ونبرة الصوت وتسلسل الكلمات والحركات، مؤكدات أن ادعاء حسن النية لا ينفي المسؤولية، كما حذرن من إشارات العنف والمحاكاة الساخرة والانتقاص من الحالة الصحية أو الإعاقة والصفات الشخصية، لما تسببه من أضرار نفسية واجتماعية.
وتفصيلاً، نظرت محكمة رأس الخيمة الابتدائية، أخيراً، قضية بدأت بخصومة شخصية بين متهمين، قبل أن تنتقل إلى بث مباشر عبر تطبيق «تيك توك»، شهد تلاسناً وتبادلاً لعبارات الإهانة والتهديد أمام المتابعين.
وكشفت حيثيات الحكم أن أحد المتهمين مرّر يده على رقبته على هيئة الذبح في مواجهة الآخر، ورأت المحكمة أن الحركة تمثل إشارة مستقرة المعنى عرفاً في الدلالة على التهديد بإزهاق الروح، خصوصاً أنها صدرت خلال مشادة علنية محتدمة.
وأكدت أن الإشارة «لا تحتاج إلى بيان لفظي صريح»، بعدما جاءت في سياق مشادة وعداء وتبادل للإهانات، بما يجعل أثرها في الطرف الموجهة إليه قائماً، ويكشف عن اتجاهها إلى التهديد والترويع باستخدام وسيلة تقنية معلومات.
ولم تقتصر معاينة المحكمة على حركة اليد، إذ رصدت أيضاً ظهور المتهم نفسه أكثر اندفاعاً واستفزازاً، وترديده كلام الطرف الآخر على هيئة سخرية واستهزاء وبصوت مصطنع، واسترساله في عبارات الحط من الشأن والتقليل من الاعتبار.
وانتهت المحكمة إلى معاقبة صاحب إشارة الذبح بالحبس ثلاثة أشهر، فيما قضت بتغريم الطرف الآخر 1000 درهم عن التهم المسندة إليه، مؤكدة أن التفاوت في جسامة الفعل لا يمحو مسؤولية أي منهما عما ثبت صدوره عنه بصورة مستقلة، وأنه لا يباح مقابلة السب بالسب أو التهديد بالتهديد.
وقالت المحامية والمستشارة القانونية، سارة البقيشي، إن البثوث المباشرة أصبحت جزءاً من الاستخدام اليومي لمنصات التواصل الاجتماعي، ولم تعد مقتصرة على المشاهير أو صناع المحتوى، كما أن المسؤولية عما يصدر خلالها لا ترتبط بعدد المتابعين، فقد تترتب حتى لو اقتصر البث على شخص أو شخصين.
وأوضحت أن تقييم المحكمة للإشارات الجسدية الصادرة خلال البث المباشر لا يقوم على الحركة منفردة، بل يرتبط بالسياق الكامل الذي ظهرت فيه، إذ لا تكتفي المحكمة بما يقرره صاحب البث بشأن قصده أو نيته، وإنما تنظر إلى المعنى المتعارف عليه للإشارة، وطريقة أدائها، وتوقيت صدورها، والشخص الذي وجهت إليه، وما سبقها أو أعقبها من عبارات وتصرفات.
وأضافت أن الحركة الواحدة قد تبدو عادية إذا شوهدت بمعزل عن ظروفها، لكنها قد تحمل مدلولاً مغايراً تماماً إذا صدرت خلال مشادة أو خصومة، أو اقترنت بعبارات عدائية، أو وجهت مباشرة إلى شخص محدد، مشيرة إلى أن جمع هذه العناصر يساعد على تحديد ما إذا كان التصرف عفوياً أم يحمل معنى التهديد أو الإهانة أو التحريض.
وأوضحت البقيشي أن فحص المحتوى المرئي قد يمتد إلى نبرة الصوت وطريقة الحديث، خصوصاً عند ترديد كلام الطرف الآخر بأسلوب ساخر، أو استخدام صوت مصطنع بقصد الاستهزاء والحط من شأنه، إذ لا يقرأ البث المباشر باعتباره مجموعة من الكلمات المنفصلة، بل باعتباره مشهداً متكاملاً يجمع بين الصورة والصوت والحركة والسياق.
وأكدت أن المقاطع المرئية قد تكشف تفاصيل لا تظهر في التفريغ الكتابي، من بينها حركة اليد، واتجاه النظر، وتعابير الوجه، ونبرة الصوت، وطريقة التقليد، والتسلسل الزمني بين اللفظ والحركة، لافتة إلى أن هذه التفاصيل قد تكون مؤثرة في فهم مدلول التصرف وتحديد طبيعته.
وذكرت أن الادعاء بأن الإشارة صدرت على سبيل المزاح لا يؤدي تلقائياً إلى انتفاء المسؤولية، إذ تخضع كل واقعة للتقييم وفق ظروفها وملابساتها، ومدى وضوح مدلول الحركة، والسياق الذي استخدمت فيه، والأثر الذي يمكن أن تحدثه في الشخص الموجهة إليه.
من جانبها، قالت المستشارة القانونية والمحامية، خديجة سهيل، إن بحث المسؤولية الجزائية الناشئة عن الإشارات الجسدية يجب أن يبدأ من القاعدة الأساسية التي تقضي بأنه «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص»، بما يفرض تفسير النصوص الجزائية في نطاقها المحدد، وعدم التوسع فيها، مع مراعاة أن وسائل التعبير عن الإرادة أو القصد لا تقتصر في الأصل على الألفاظ المكتوبة أو المنطوقة، بل قد تشمل الإشارة أو الحركة أو السلوك، وفق طبيعة كل واقعة والنص القانوني المنطبق عليها.
وأوضحت أن المادتين 132 و135 من قانون المعاملات المدنية تقرران تعدد صور التعبير عن الإرادة، وهو ما أكدته المحاكم العليا في الطعن العمالي رقم 179 لسنة 2013، الصادر بتاريخ السابع من يناير 2024، إذ قررت أن التعبير عن الإرادة، كما يكون باللفظ أو الكتابة، يجوز أن يتم أيضاً بالمبادلة الفعلية الدالة على التراضي، أو باتخاذ أي مسلك آخر لا تدع ظروف الحال شكاً في دلالته.
وأضافت أن الحكم ذاته أرسى أن الأصل هو «ألا يُنسب إلى ساكت قول»، إلا أن السكوت قد يعد قبولاً إذا جاء في موضع تقتضي فيه الحاجة بيان الموقف، خصوصاً إذا كان هناك تعامل سابق بين الطرفين، ما يؤكد أن صور التعبير تختلف بحسب طبيعة التصرف والظروف المحيطة به، ولا تنحصر في الكلمات وحدها.
وأشارت إلى أن قانون الأحوال الشخصية أخذ أيضاً بالإشارة المفهومة وسيلةً للتعبير في حالات محددة، إذ تنص المادة 34 على انعقاد الزواج بالإيجاب والقبول بلفظ الزواج الصريح، وبالكتابة عند العجز عن النطق، وبالإشارة المفهومة عند العجز عن النطق والكتابة، فيما تقضي المادة 54 بوقوع الطلاق من الزوج بالنطق أو الكتابة بأي وسيلة، وعند العجز عنهما فبالإشارة المفهومة.
وأكدت أن هذه النصوص لا تعني تطبيق أحكام المعاملات المدنية أو الأحوال الشخصية على الجرائم، وإنما يستدل بها على أن المشرّع الإماراتي يعترف، كل في نطاقه، بأن الإشارة المفهومة قد تعبّر عن إرادة أو موقف واضح، وأن الحركة قد تكون في بعض الظروف أبلغ دلالة من الكلمات، ولفتت إلى أن الفقه المالكي اعتد كذلك ببعض التصرفات غير اللفظية عند تقدير الضرر المعنوي بين الزوجين، ومن بينها قطع الكلام، وتحويل الوجه في الفراش، وإظهار العبوس وتقطيب الحاجبين، مستشهدةً بما نقل عن ابن فرحون «من الضرر قطع الكلام عنها، وتحويل وجهه في الفراش عنها، وإيثار امرأة عليها، وضربها ضرباً مؤلماً»، بما يعكس أن الأثر الضار قد ينشأ عن السلوك أو المظهر، ولا يشترط أن يكون وليد عبارة منطوقة.
وفي الجانب الجزائي، أوضحت أن قانون الجرائم والعقوبات الاتحادي عد الإشارات والحركات والرسوم والصور والرموز من طرق العلانية ووسائل التعبير، وأن التعبير المؤثم قد يكون صريحاً، كما قد يأتي بطريق التورية أو المداورة، وتكون العبرة في النهاية بمدلوله والظروف التي صدر فيها، ومدى انطباق النص الجزائي عليه.
واستدلت سهيل بحكم المحاكم العليا الصادر في الطعن الجزائي رقم 593 لسنة 2015، بتاريخ 28 سبتمبر 2015، الذي قرر أن جريمة التهديد تستمد خطورتها مما يحدثه التهديد ذاته من رعب في نفس المجني عليه، وإزعاجه والمساس بأمنه وطمأنينته وحرمته الشخصية، وأن القصد الجنائي يتوافر متى ثبت أن الجاني ارتكب التهديد مدركاً أثره في إيقاع الرعب، واتجهت إرادته إلى تحقيق ذلك الأثر.
وأضافت أن الحكم أكد كذلك أنه لا يشترط أن يبين الجاني للمجني عليه بعبارة صريحة الأمور الشائنة التي يريد إسنادها إليه أو إفشاءها، بل يكفي مجرد التلميح أو الإشارة إليها بطريق خفي متى كان مدلولها مفهوماً من سياق الواقعة، وكان من شأنها إحداث الأثر الذي عاقب عليه القانون.
وبينت سهيل أن هذه المبادئ تنطبق على ما يصدر خلال البثوث المباشرة في حدود كل واقعة، إذ قد تستخلص دلالة التهديد أو الإهانة من حركة اليد أو إشارة الوجه أو طريقة الأداء ولو لم تصاحبها عبارة صريحة، شريطة أن تكشف ظروف البث وسياق المشادة عن مدلولها، وأن تتوافر الأركان التي يتطلبها النص الجزائي.
وشددت على أن الإشارة لا تصبح جريمة لمجرد صدورها، ولا يجوز افتراض القصد الجنائي أو التوسع في تفسير الحركة، بل يتعين فحص التسجيل كاملاً، وتحديد معناها المتعارف عليه، وطريقة أدائها، والشخص الذي وُجّهت إليه، وما سبقها أو أعقبها من كلمات وتصرفات، وصولاً إلى التمييز بين الحركة العفوية والإشارة التي تحمل مدلولاً مؤثماً يعاقب عليه القانون.
وحذرت من استخدام إشارات ترتبط عرفاً بالعنف أو القتل أو الإيذاء الجسدي، أو اللجوء إلى المحاكاة الساخرة بقصد الانتقاص من الآخرين، خصوصاً إذا تناولت حالتهم الصحية أو إعاقتهم أو صفاتهم الشخصية، مشيرة إلى أن سهولة تنفيذ الحركة وسرعة انتشارها لا تقللان من خطورتها أو آثارها.
ودعت أطراف المشادات الرقمية إلى عدم الانجرار وراء الاستفزاز أو الرد بإشارات وعبارات مماثلة، مؤكدة أن التعرض للإهانة أو التهديد لا يمنح الشخص الحق في ارتكاب تجاوز مقابل، وقد يؤدي الرد الانفعالي إلى وضع الطرفين تحت طائلة المساءلة، ووجهت من يتعرض إلى إساءة خلال بث مباشر إلى إنهاء المواجهة، والاحتفاظ بالتسجيل الكامل، وحفظ الأدلة، واللجوء إلى الجهات المختصة، بدلاً من مواصلة المشادة، موضحة أن التسجيل الكامل أكثر قدرة على إظهار تسلسل الواقعة وسياقها من المقاطع القصيرة التي قد تكون مجتزأة.
بدورها، قالت المحاضرة والمدربة الدولية في القيادة والتوعية المجتمعية عائشة الكندي، إن الإشارات الجسدية تمثل جزءاً أساسياً من عملية التواصل بين الأفراد، وقد تحمل رسائل أشد تأثيراً من الكلمات، خصوصاً في البثوث المباشرة التي تجمع بين الصورة والصوت والتفاعل الفوري مع الجمهور.
وأوضحت أن بعض المستخدمين قد يلجؤون إلى الحركات أو تعابير الوجه أو التقليد الساخر اعتقاداً منهم بأنها أقل خطورة من العبارات المنطوقة، في حين أن المتلقي قد يفهمها باعتبارها تهديداً أو إهانة أو تقليلاً من شأنه، ما يؤدي إلى تصاعد الخلاف وتحوله من تفاعل رقمي إلى خصومة تمتد آثارها إلى الواقع.
وأضافت أن وجود جمهور يتابع البث قد يدفع بعض الأشخاص إلى المبالغة في ردود أفعالهم أو الاستمرار في الاستفزاز من أجل زيادة المشاهدات والتفاعل، وهو ما يضاعف الأثر النفسي والاجتماعي للإساءة، خصوصاً عندما يعاد تداول المقطع خارج نطاق البث الأصلي.
وحذرت من المحاكاة الساخرة للأشخاص أو تقليد ذوي الإعاقة والمرضى بقصد الإضحاك أو الانتقاص، مؤكدة أن هذه التصرفات لا تمس الشخص المستهدف وحده، بل قد تكرس سلوكيات التنمر والاستهزاء، وتؤثر في فئات أخرى تشترك معه في الحالة الصحية أو الإعاقة أو الصفة التي استُخدمت مادة للسخرية.
الاستخدام المسؤول
أكدت المُحاضِرة والمدربة الدولية في القيادة والتوعية المجتمعية، عائشة الكندي، أن التوعية بالاستخدام المسؤول للمنصات يجب ألا تقتصر على الكلمات الممنوعة أو العبارات المسيئة، بل ينبغي أن تشمل أيضاً الحركات والإشارات وتعابير الوجه، باعتبار أن كل ما يظهر أمام الكاميرا يتحول إلى جزء من الرسالة التي تصل إلى الجمهور، ويمكن حفظها وإعادة تداولها.
وشددت على أهمية ضبط الانفعال أثناء البث المباشر، والتوقف عن النقاش عند تحوله إلى مشادة، وعدم السماح لتعليقات المتابعين أو محاولات الاستفزاز بدفع صاحب الحساب إلى تصرف قد يندم عليه لاحقاً، مؤكدة أن إنهاء البث في لحظة التوتر يمثل سلوكاً واعياً يحمي صاحبه والآخرين من تفاقم النزاع.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news