أطباء يحذرون من «الاحتراق الوظيفي».. ويؤكدون أهمية «الراحة» لاستعادة التوازن النفسي والجسدي

5 مؤشرات تؤكد حاجة الموظف لـ «الإجازة السنوية».. و6 أخطاء شائعة تبدد فوائدها

صورة

حذر أطباء ومختصون الموظفين من تجاهل الحاجة إلى الراحة النفسية والذهنية مع بداية موسم الإجازات السنوية والسفر، مؤكدين أن الإجازة السنوية لم تعد رفاهية أو مجرد فرصة للترفيه، بل تمثل ضرورة عصبية وفسيولوجية للحفاظ على صحة الدماغ والجهاز العصبي، والوقاية من الاحتراق الوظيفي الناتج عن ضغوط العمل المزمنة.

وحددوا لـ«الإمارات اليوم» خمسة مؤشرات رئيسة تؤكد حاجة الموظف إلى الإجازة السنوية، تشمل «انخفاض التركيز، وتكرار الأخطاء، والشعور بالإرهاق رغم الراحة، وفقدان الحماس للعمل، وزيادة التوتر والعصبية»، مؤكدين أن الفوائد الفعلية للإجازة تبدأ بالظهور بعد نحو 72 إلى 96 ساعة من الابتعاد عن العمل، مع دخول الجهاز العصبي في مرحلة التعافي التدريجي.

وقالوا إن الدراسات كشفت أن الشعور بالراحة النفسية وتحسن الصحة الذهنية يبلغ ذروته تقريباً في اليوم الثامن من الإجازة، إلا أن كثيرين يفقدون هذه المكاسب بسبب ستة أخطاء شائعة، تشمل «متابعة البريد الإلكتروني باستمرار، والرد على مكالمات العمل، وتحويل الإجازة إلى جدول مزدحم بالالتزامات، والسفر المرهق، والسهر واضطراب النوم، وإهمال العناية الذاتية»، مؤكدين أن تحقيق الاستفادة القصوى من الإجازة يتطلب الانفصال الحقيقي عن ضغوط العمل ومنح العقل والجسم فرصة كافية للتعافي واستعادة التوازن.

بيئة العمل

وتفصيلاً، أكد استشاري طب الأعصاب، الدكتور أيمن السياري، أن «الإجازة السنوية» للموظفين لم تعد رفاهية أو مجرد فرصة للترفيه، بل تمثل ضرورة عصبية وفسيولوجية للحفاظ على صحة الدماغ والجهاز العصبي، والوقاية من الاحتراق الوظيفي الناتج عن ضغوط العمل المزمنة، موضحاً أن استمرار الضغوط لفترات طويلة دون انقطاع يُبقي الدماغ في حالة تأهب واستجابة دائمة للتوتر، ما يؤدي إلى ارتفاع هرمونات الإجهاد وعلى رأسها الكورتيزول، ويؤثر سلباً في التركيز والذاكرة وتنظيم المشاعر. وأضاف أن الابتعاد عن بيئة العمل خلال الإجازة يساعد على خفض مستويات التوتر واستعادة التوازن بين الجهاز العصبي الودي المسؤول عن الاستجابة للضغوط، ما ينعكس إيجاباً على معدل ضربات القلب وضغط الدم والصحة النفسية بشكل عام.

وأوضح أن الدراسات العلمية تشير إلى أن الدماغ يبدأ بالاستفادة الفعلية من الإجازة بعد نحو 72 إلى 96 ساعة من الابتعاد عن العمل، حيث تنخفض مستويات الكورتيزول تدريجياً ويتراجع الانشغال المستمر بالمشكلات والمهام اليومية، ما يمنح الجهاز العصبي فرصة للدخول في مرحلة التعافي والترميم.

وأشار إلى أن الأبحاث أظهرت أن الشعور بالراحة النفسية وتحسن الصحة الذهنية يبلغ ذروته تقريباً في اليوم الثامن من الإجازة، لذلك تُعد الإجازة الممتدة لأسبوع كامل، إلى جانب عطلة نهاية الأسبوع قبلها أو بعدها، من أفضل الفترات لتحقيق أقصى فائدة ممكنة واستعادة النشاط الذهني والجسدي.

وحذر من أن السهر واضطراب النوم خلال الإجازة قد يقللان بشكل كبير من فوائدها، موضحاً أن النوم العميق يلعب دوراً أساسياً في تخلص الدماغ من الفضلات والمواد الناتجة عن النشاط العصبي اليومي، فيما تسهم مرحلة نوم حركة العين السريعة (REM) في تنظيم المشاعر وترسيخ الذكريات وتحسين الصحة النفسية.

ولفت إلى أن شعور بعض الأشخاص بالإرهاق أو صعوبة التركيز بعد العودة من الإجازة يعود غالباً إلى اضطراب مواعيد النوم أو اختلاف التوقيت أو التغير المفاجئ في الروتين اليومي، مؤكداً أن الدماغ يحتاج إلى فترة قصيرة لإعادة تنظيم أنماط النوم والتركيز واليقظة بما يتناسب مع متطلبات العمل.

ونصح بضرورة تعديل مواعيد النوم تدريجياً قبل انتهاء الإجازة، والمحافظة على أوقات نوم واستيقاظ منتظمة، وممارسة النشاط البدني، وتقليل استخدام الشاشات قبل النوم، إضافة إلى العودة من السفر قبل استئناف العمل بيوم على الأقل، بما يتيح فرصة للاستعداد النفسي والبدني للعودة إلى العمل والحفاظ على المكاسب النفسية والعقلية التي تحققت خلال فترة الراحة.

ضرورة نفسية

وأكدت أخصائية علم النفس الإكلينيكي، عائشة العويس، أن الإجازات الدورية تمثل ضرورة نفسية وليست مجرد استراحة من العمل، موضحة أن الجهاز العصبي يحتاج إلى فترات تعافٍ منتظمة لاستعادة التركيز والقدرة على التنظيم الذاتي، موضحة أن العمل المتواصل دون إجازة يُبقي الموظف في حالة استنفار مزمن تستنزف موارده الذهنية والنفسية، فيما تسهم الإجازات في إعادة التوازن ورفع جودة الحضور الذهني والإنتاجية.

وأضافت أن الدراسات والأبحاث في مجال علم النفس المهني تشير إلى أن الموظفين يعودون من الإجازات بطاقة أكبر ومستويات أعلى من الانخراط والإبداع، إلى جانب انخفاض معدلات الإرهاق والأخطاء المرتبطة بضغوط العمل، موضحة أن الراحة الكافية تسهم كذلك في الوقاية من الأعراض النفسية الجسدية المرتبطة بالإجهاد المزمن، مشيرة إلى أن جودة الراحة خلال الإجازة لا تقل أهمية عن الإجازة نفسها.

ولفتت إلى أن هناك عدداً من المؤشرات التي قد تدل على معاناة الموظف من الاحتراق الوظيفي من أبرزها التبلد العاطفي والانسحاب من التفاعل المهني، وتراجع الأداء رغم بذل الجهد، وكثرة الغياب، وظهور سلوكيات التهكم أو فقدان الحماس الذي كان يميز الموظف سابقاً، إضافة إلى الشعور المستمر بالإرهاق. وأكدت أن الأهم هو ملاحظة التغيرات التي تطرأ على الموظف مقارنة بمستواه المعتاد.

وشددت على أهمية التخطيط السليم للإجازة لتحقيق الراحة النفسية المنشودة، وذلك من خلال الفصل الواضح عن العمل وإيقاف الإشعارات المتعلقة به، وتفويض المهام قبل المغادرة، وترك مساحة للراحة غير المبرمجة بدلاً من ملء الإجازة بالمواعيد والالتزامات. وقالت إن الإجازة الناجحة هي التي تترك شعوراً بالهدوء والتجدد، لا إحساساً بأنها مهمة أخرى يجب إنجازها.

وأوضحت أن من أفضل الممارسات التي يمكن للمؤسسات اتباعها بعد الإجازات الطويلة، تخصيص يوم أو يومين للعودة التدريجية دون اجتماعات مكثفة أو مواعيد ضاغطة، مع تزويد الموظف بملخص للمستجدات وتوزيع المهام بشكل متدرج، بما يساعد على الحفاظ على المكاسب النفسية التي حققها خلال فترة الراحة.

وأكدت أن تجاهل الإجازات أو تأجيلها لفترات طويلة يترك آثاراً سلبية متراكمة على الإنتاجية والرضا الوظيفي، حيث يؤدي استمرار الإجهاد إلى الاحتراق الوظيفي وتراجع الدافعية والقدرة على العطاء، مضيفة أن من المفارقات الشائعة اعتقاد بعض الموظفين أن تأجيل الإجازات يزيد إنتاجيتهم، بينما يؤدي ذلك على المدى البعيد إلى استنزاف طاقتهم وتقليل كفاءتهم، مؤكدة أن الراحة تمثل استثماراً في استدامة الأداء وليست انقطاعاً عنه.

حل سحري

أكدت استشارية الطب النفسي، الدكتورة أمل عطوة إبراهيم، أن الإجازة السنوية تمثل إحدى أهم الوسائل الوقائية للحفاظ على الصحة النفسية والحد من الاحتراق الوظيفي، لكنها ليست حلاً سحرياً لجميع المشكلات المرتبطة بضغوط العمل، موضحة أن هناك فرقاً جوهرياً بين الإرهاق الطبيعي الناتج عن فترات العمل المكثفة وبين الاحتراق الوظيفي، حيث يكون الإرهاق العادي مؤقتاً ويتحسن مع الراحة أو النوم أو أخذ استراحة قصيرة، بينما يُعد الاحتراق الوظيفي حالة ممتدة من الإنهاك النفسي والعاطفي والجسدي تنشأ نتيجة التعرض المستمر للضغوط لفترات طويلة، وتؤثر بشكل مباشر في الأداء الوظيفي والدافعية وجودة الحياة.

وقالت إن هناك مجموعة من العلامات النفسية والسلوكية التي قد تشير إلى معاناة الموظف من الاحتراق الوظيفي من أبرزها الشعور المستمر بالإرهاق وفقدان الحافز، وتراجع الإنتاجية، وصعوبة التركيز، وزيادة التوتر والانفعال، والانفصال العاطفي عن العمل، إضافة إلى النظرة السلبية أو التشاؤمية تجاه المهام الوظيفية، واضطرابات النوم، والابتعاد عن التفاعل الاجتماعي مع الزملاء أو المحيطين.

وأضافت أن الإجازة السنوية يمكن أن تسهم في تخفيف مستويات التوتر واستعادة جزء من التوازن النفسي، إلا أنها قد لا تكون كافية بمفردها في حالات الاحتراق الوظيفي المتوسطة أو الشديدة، مشيرة إلى أن التعافي الكامل قد يتطلب معالجة الأسباب الجذرية للمشكلة من خلال إعادة تنظيم أعباء العمل، وتوفير الدعم المؤسسي، وتعلم مهارات إدارة الضغوط، والاستفادة من العلاج النفسي، وأحياناً التدخل الطبي عند الحاجة.

وأوضحت أن بعض الموظفين يعودون من الإجازة وهم لايزالون يشعرون بالتوتر أو الإرهاق لأن الأسباب الأساسية التي أدت إلى الاحتراق الوظيفي مازالت قائمة، مثل ضغط العمل المفرط أو ضعف التوازن بين الحياة المهنية والشخصية أو استمرار الخلافات والمشكلات في بيئة العمل، مضيفة أن عدم الحصول على راحة حقيقية خلال الإجازة أو وجود ضغوط شخصية ومشكلات نفسية سابقة قد يقلل أيضاً من الفائدة المرجوة من فترة الراحة.

وحذرت من بعض السلوكيات التي تحرم الموظف من الاستفادة النفسية الكاملة من الإجازة، مثل الاستمرار في متابعة البريد الإلكتروني والمكالمات المهنية بشكل دائم، أو تحويل الإجازة إلى جدول مزدحم بالالتزامات والسفر المرهق، أو إهمال النوم والعناية الذاتية، مؤكدة أن الهدف الأساسي من الإجازة هو منح العقل والجسم فرصة حقيقية للتعافي وإعادة الشحن.

ونصحت الموظفين بالحرص على النوم الجيد، وممارسة الأنشطة التي تحقق لهم المتعة والاسترخاء، وتقليل التواصل المرتبط بالعمل خلال الإجازة قدر الإمكان، مع منح أنفسهم فرصة للعودة التدريجية إلى بيئة العمل بعد انتهائها، كما أكدت أهمية وضع أهداف واقعية بعد العودة، والحفاظ على حدود صحية بين الحياة المهنية والشخصية، لما لذلك من دور في إطالة أثر الإجازة وتعزيز الصحة النفسية، وتقليل احتمالات التعرض للاحتراق الوظيفي مستقبلاً.

• الفوائد الفعلية للإجازة تبدأ بالظهور بعد 72 إلى 96 ساعة من الابتعاد عن العمل مع دخول الجهاز العصبي في مرحلة التعافي التدريجي.

عائشة العويس:

الإجازة الدورية ضرورة نفسية، وتجاهلها يترك آثاراً سلبية على الرضا الوظيفي والقدرة على العطاء.

تويتر