مختصون: منصات التوصيل تمنحهم صلاحيات شراء تتجاوز أعمارهم

«لا ترن الجرس».. أطفال يطلبون الطعام ليلاً عبر تطبيقات ويتسلمونه بلا مُرافق

صورة

تحوّلت تطبيقات توصيل الطعام لدى بعض الأسر إلى «نافذة مفتوحة» بين الأطفال والعالم الخارجي، بعد ترك الحسابات مفعلة على هواتف الأبناء، بما يسمح لهم بطلب وجبات أو منتجات في أي وقت، وأحياناً أثناء وجودهم بمفردهم داخل المنزل، وصولاً إلى استلام الطلبات بأنفسهم من موظفي التوصيل، حتى في ساعات متأخرة من الليل، مستفيدين من خصائص تتيح توصيل الطلبات من دون طرق الباب أو تنبيه أفراد الأسرة.

وقال أولياء أمور يسمحون لأبنائهم باستخدام تطبيقات التوصيل، لـ«الإمارات اليوم»، إنهم ينظرون إلى هذه التطبيقات كوسيلة مريحة وعملية توفر الوقت وتخدمهم عند الانشغال أو التأخر خارج المنزل، لافتين إلى أن هناك أبناء اعتادوا استخدام التطبيق لطلب الطعام أو المنتجات بأنفسهم، واختيار الطلبات وانتظار وصولها، باعتبارها ممارسة يومية لا تختلف كثيراً عن بقية استخداماتهم الرقمية.

في المقابل، أكد مختصون أن المشهد يتجاوز فكرة «طلب وجبة» أو توفير الطعام وقت الحاجة، ليرتبط بتمكين الأطفال من استخدام حسابات رقمية تحتوي على عناوين منازل، وبيانات شخصية، ووسائل دفع محفوظة، إضافة إلى إتمام عمليات شراء واستلام طلبات والتعامل المباشر مع موظفي التوصيل، أحياناً في غياب رقابة البالغين أو من دون علمهم.

وأضافوا أن الاعتياد على منح الأطفال صلاحية الطلب عبر التطبيقات قد يفتح الباب أمام تحديات تتعلق بالخصوصية، والأمان الرقمي، والسلامة الشخصية، خصوصاً في الحالات التي يسمح فيها بإجراء الطلبات خلال أوقات متأخرة أو أثناء وجود الطفل بمفرده داخل المنزل، مشيرين إلى أن بعض خصائص التطبيقات، مثل خيار عدم رن الجرس، يقلل من فرص انتباه أفراد الأسرة إلى عملية الاستلام.

وأشاروا إلى أن المسألة لا تتعلق باستخدام التقنية ذاتها، إنما بمدى الإشراف على طريقة استخدامها، وحدود الصلاحيات الممنوحة للأطفال عند الوصول إلى حسابات مرتبطة ببيانات حساسة، ومعلومات شخصية، وعناوين سكنية، ووسائل دفع إلكترونية.

بينما دعت مؤسسة سلامة الطفل التابعة لمجلس الشارقة للأسرة والمجتمع، أولياء الأمور إلى تعزيز وعي الأبناء باستخدام الأطفال للهواتف الذكية، وتطبيقات التوصيل، والتسوّق الإلكتروني، مشددة على ضرورة وضع قواعد واضحة للاستخدام، وتجنّب حفظ وسائل الدفع أو تفعيل الشراء السريع من دون ضوابط، إلى جانب توعية الصغار بعدم مشاركة العنوان أو أرقام الهواتف أو أي معلومات شخصية عبر التطبيقات.

وتفصيلاً، قال ولي أمر، عبدالله الحنطوبي، إن آباء عدة يتعاملون مع تطبيقات التوصيل كخدمة توفر الوقت وتخدم الأسرة وقت الحاجة، إلا أن منح الأطفال صلاحيات واسعة في استخدامها قد يحولها من وسيلة مساعدة إلى مساحة استخدام غير خاضعة للرقابة، لافتاً إلى أن بعض التطبيقات لم تعد تقتصر على الدفع المباشر، بل توفر أيضاً خيارات التقسيط في الدفع على دفعات، وهو ما قد يجعل عملية الشراء تبدو أسهل وأقل كُلفة في نظر الطفل، ويشجعه ذلك على تكرار الطلب من دون إدراك كامل للالتزامات المالية المرتبطة بذلك.

ودعا إلى تقييد الوصول إلى وسائل الدفع، وعدم الاعتماد على خصائص، مثل «التسليم من دون رن الجرس»، لما قد يسببه ذلك من غياب معرفة الأسرة بعمليات الطلب أو الاستلام.

بينما قال ولي أمر، جاسم الرئيسي، إن تطبيقات التوصيل أصبحت بالنسبة إلى كثير من الأسر وسيلة عملية تسد احتياجات يومية، خصوصاً عند الانشغال أو التأخر خارج المنزل، مشيراً إلى أنه لا يرى مشكلة في تمكين الأبناء من طلب الطعام ضمن حدود معروفة وتحت إشراف الأسرة، لكنه شدد على أهمية عدم ترك الحسابات مفتوحة من دون متابعة أو السماح بإجراء الطلبات في أوقات متأخرة أو أثناء وجود الطفل بمفرده.

من جانبها، ذكرت ولية أمر، موزة محمد النقبي، أن سهولة استخدام التطبيقات جعلت بعض الأطفال أكثر اعتياداً على الطلب الذاتي، لافتة إلى أن الأمر قد يبدو مريحاً للأهل في البداية، لكنه يتطلب ضوابط واضحة، خصوصاً مع احتواء الحسابات على بيانات شخصية، وعناوين ووسائل دفع مختلفة، مضيفة أن الأسر بحاجة إلى توعية الأبناء بحدود الاستخدام، وعدم التعامل مع الطلبات أو موظفي التوصيل من دون حضور شخص بالغ.

من جانبه، قال عالم البيانات، المهندس محمد الشحي، إن التعامل مع استخدام الأطفال لتطبيقات التوصيل لا ينبغي أن يقتصر على النظر إليه كحالة «طلب وجبة في وقت متأخر»، بل كمسألة تتعلق بصلاحيات رقمية وبيانية قد تتجاوز ما يناسب أعمارهم.

وأوضح أن تطبيقات التوصيل لم تعد مجرد منصات لطلب الطعام، بل أصبحت أنظمة تجمع بيانات الاستخدام والسلوك والشراء، لافتاً إلى أن الطفل حين يستخدم التطبيق لا يختار وجبة فقط، بل يتفاعل مع نظام يتتبع التفضيلات، وأوقات الطلب، والإنفاق، والموقع، بما قد يشكّل ملفاً سلوكياً عن الطفل والأسرة.

وأشار الشحي إلى أن وجود وسائل دفع محفوظة داخل التطبيق، يمنح الطفل قدرة شراء فورية، من دون الإحساس المباشر بعملية الدفع أو قيمة المال، ما يستدعي التعامل مع التطبيقات التي تحتفظ بالبطاقات البنكية أو المحافظ الرقمية، باعتبارها أدوات مالية تتطلب ضوابط واضحة.

وأضاف أن بعض خصائص الراحة داخل التطبيقات قد تتحول إلى فجوات رقابية داخل المنزل، مستشهداً بخيار «لا ترن الجرس»، الذي قد يبدو مناسباً للبالغين، لكنه قد يُستخدم من قبل الأطفال لإخفاء عملية الطلب أو الاستلام عن الوالدين، خصوصاً في أوقات متأخرة أو أثناء غياب شخص بالغ.

وأكد الشحي أن المخاطر لا تقتصر على الجانب المالي، بل تمتد إلى السلامة الشخصية، إذ قد ينتقل الطفل من استخدام رقمي داخل الهاتف إلى تفاعل مباشر مع شخص غريب عند استلام الطلب، داعياً الأسر إلى الانتباه لمسألة فتح الباب، ومعرفة من يوجد داخل المنزل، وتكرار أنماط الاستلام التي قد تصبح قابلة للملاحظة.

ولفت إلى أن حسابات تطبيقات التوصيل تتضمن عادة بيانات حساسة، مثل العنوان التفصيلي، ورقم الهاتف، وملاحظات التوصيل، وسجل الطلبات، محذراً من الإفراط في إدخال معلومات إضافية أو ترك الأطفال يكتبون ملاحظات التوصيل بأنفسهم.

وبيّن أن التطبيقات الحديثة مصممة لتقليل الاحتكاك، وتسريع اتخاذ القرار، من خلال العروض الفورية، والاقتراحات الجاهزة، وإعادة الطلب بضغطة واحدة، وهي مزايا قد تكون مناسبة للبالغين، لكنها قد لا تراعي محدودية قدرة الأطفال على ضبط الاندفاع أو تقدير العواقب المالية والأمنية.

ودعا إلى تطبيق مبدأ «أقل صلاحية ممكنة» داخل الأسرة، بحيث لا يمنح الطفل حساباً مفتوحاً يتضمن بطاقة دفع محفوظة أو إمكانية طلب غير مقيدة، مشيراً إلى أنه يمكن للطفل اختيار الوجبة، بينما تبقى صلاحيات الدفع، واعتماد الطلب والاستلام، بيد ولي الأمر.

وشدد الشحي على أهمية تعامل الأسر مع تطبيقات التوصيل بالقدر ذاته من الحذر المستخدم مع التطبيقات البنكية والمحافظ الإلكترونية، من خلال تفعيل البصمة أو كلمات المرور قبل الدفع.

إلى ذلك، قالت المستشارة القانونية، خديجة سهيل، إن التوسّع في استخدام تطبيقات التسوّق والتوصيل داخل الأسر جعل من الشائع السماح للأطفال باستخدام الحسابات الإلكترونية المرتبطة بوسائل الدفع العائدة لذويهم، إلا أن هذا الاستخدام قد تترتب عليه التزامات قانونية ومالية تستوجب قدراً أكبر من الانتباه والرقابة.

وأوضحت أن ولي الأمر يتحمل في الأغلب المسؤولية المالية عن المشتريات التي تتم عبر حسابه أو بطاقته المصرفية، كونه صاحب وسيلة الدفع والمسؤول عن إدارتها، حتى إن تمت عمليات الشراء بوساطة الأبناء من خلال الأجهزة أو التطبيقات المرتبطة بالحساب العائلي.

وأضافت أن بعض الممارسات قد تتجاوز الجانب المالي لتصل إلى نطاق المسؤولية المدنية، لاسيما في حالات إساءة استخدام التطبيقات، أو تنفيذ طلبات وهمية، أو تكرار الطلبات وإلغائها بصورة غير مشروعة، بما قد تترتب عليه أضرار أو خسائر للجهات المزودة للخدمة أو أطراف أخرى.

وأكدت أهمية تبني إجراءات وقائية تحد من المخاطر المرتبطة بالاستخدام غير المنضبط للتطبيقات، من بينها تفعيل أدوات الرقابة الأبوية، وتحديد سقف للإنفاق، وعدم ترك وسائل الدفع متاحة بصورة مفتوحة، إلى جانب الاستفادة من البطاقات مسبقة الدفع كخيار يمنح الأسر قدرة أكبر على التحكم بالمصروفات الإلكترونية.

وشددت على أهمية تعزيز الوعي المالي والقانوني لدى الأبناء، من خلال توعيتهم بطبيعة الالتزامات المترتبة على الشراء الإلكتروني، وتعريفهم بأن إتمام الطلبات عبر التطبيقات تترتب عليه التزامات فعلية، وليست مجرد خطوات رقمية داخل الهاتف.

بينما قالت المحاضر والمدرب الدولي في القيادة والتوعية المجتمعية، عائشة الكندي، إن القضية لا تتعلق بتطبيقات التوصيل بحد ذاتها، بل بحدود الصلاحيات التي يمنحها أولياء الأمور للأطفال عند استخدامها، موضحة أن الأطفال بطبيعتهم ينظرون إليها كوسيلة سهلة وسريعة للحصول على ما يريدونه، من دون إدراك لما يرتبط بها من بيانات شخصية أو وسائل دفع أو تبعات استخدام.

وأكدت أن دور الأسرة لا يقتصر على توفير التقنية، بل يشمل الإشراف والتوجيه، ووضع ضوابط واضحة تضمن الاستخدام الآمن والمسؤول، بما يحفظ خصوصية الأسرة وسلامة الأبناء، مع مراعاة مستوى النضج والوعي لدى كل طفل.

وأشارت إلى أن هناك أطفال قد لا يدركون حساسية تقديم معلومات، مثل العنوان ورقم الهاتف، أو مخاطر خيارات، مثل «رن الجرس»، و«ترك الطلب عند الباب»، خصوصاً عند الاستخدام في أوقات متأخرة أو أثناء وجود الطفل بمفرده، إضافة إلى محدودية الوعي المالي لدى بعضهم.

تحديد صلاحيات الشراء

دعت عائشة الكندي إلى عدم حفظ البطاقات الائتمانية على أجهزة الأطفال، وتحديد صلاحيات الشراء بما يتناسب مع أعمارهم، إلى جانب توعيتهم بعدم فتح الباب أو مشاركة المعلومات الشخصية، مؤكدة أن وضع ضوابط واضحة يساعد على تحقيق التوازن بين الاستفادة من مزايا التقنية وتعزيز ثقافة المسؤولية الرقمية والمالية لدى الأبناء.

أولياء أمور قالوا إنهم يسمحون لأبنائهم باستخدام تطبيقات التوصيل، باعتبارها وسيلة مريحة وعملية توفر الوقت وتخدمهم عند الانشغال أو التأخر خارج المنزل.

تويتر