يصيب الكبار والصغار ويؤدي إلى التفكك الأسري والفشل الدراسي والوظيفي

مختصون: «الإدمان الإلكتروني» يقود إلى العزلة والاكتئاب ويصيب بالعمى المؤقت

أكد مختصون في علم النفس والاجتماع والأسرة والعلوم التقنية أن الإدمان لم يعد مقتصراً على تعاطي المواد المخدرة، لكنه وصل إلى إدمان الألعاب الإلكترونية، التي أصبحت ظاهرة مجتمعية تصيب مدمنيها بأمراض نفسية واجتماعية، وقد تؤدي إلى تدني المستوى الدراسي للطلاب، والفشل الوظيفي للكبار بالإضافة إلى التفكك الأسري. وروى مختصون في علم النفس والاجتماع وحماية الطفل لـ«الإمارات اليوم» قصصاً عن أشخاص أصيبوا بأمراض نفسية، وفقدوا وظائفهم وأسرهم نتيجة إدمان الألعاب الإلكترونية، وأطفال أصيبوا بالعمى المؤقت من فرط ممارسة الألعاب الإلكترونية، مشيرين إلى أشخاص أصبحوا عنيدين وعنيفين ومنعزلين عن المجتمع، وباتوا مرضى في حاجة إلى جلسات علاج نفسي واجتماعي للعلاج من إدمان الألعاب الإلكترونية.

وضربوا أمثلة بموظف (عربي) خسر عمله وترك زوجته وأطفاله إثر إدمانه لعبة إلكترونية جعلته حبيس غرفته 24 ساعة، ساعياً للفوز بـ100 ألف درهم في لعبة إلكترونية، وامرأة أصيبت وابنها بإدمان تصفح مواقع التواصل الاجتماعي من دون توقف، ما حوّل ليل الأسرة إلى نهار، فيما أصيب طفلان أحدهما بالعمى المؤقت والآخر بأمراض نفسية نتيجة إدمانهما الألعاب الإلكترونية.


وتفصيلاً، قال أستاذ الطب النفسي بجامعة الطب والعلوم الصحية في رأس الخيمة استشاري الطب النفسي في مستشفى رأس الخيمة، الدكتور طلعت مطر، إن من أغرب الحالات النفسية التي استقبلها قسم الطب النفسي في المستشفى، كانت لزوجة عربية حضرت إلى المستشفى طالبة المساعدة في علاج زوجها المدمن على الألعاب الإلكترونية.

وأوضح أن الزوجة أفادت بأن زوجها مدمن ألعاب إلكترونية، وحبس نفسه في غرفة بالمنزل من أجل إنهاء مراحل لعبة إلكترونية، وتحقيق المركز الأول والفوز بمبلغ 100 ألف درهم.

وأضاف أن الزوج خسر عمله بسبب غيابه عن الدوام فترات طويلة، وإدمانه الألعاب الإلكترونية بشكل متواصل، ولم يعد يجلس مع أطفاله رغم وجوده في المنزل، ورفض ترك اللعبة حتى لا يخسر أي مرحلة من مراحلها أو يفوز عليه أحد المتنافسين.

وأشار مطر إلى أن الزوجة طلبت نقل زوجها إلى المستشفى للعلاج، إلا أنه رفض وأكد لها أن المستشفى لن يستطيع إجباره على التوقف عن الألعاب الإلكترونية من دون رغبة حقيقية منه، متابعاً أنه منح الزوجة توجيهات وإرشادات لتطبيقها في المنزل من أجل علاج الزوج نفسياً واجتماعياً، وإخراجه من العزلة وحالة العناد، وإعادة دمجه في المجتمع من جديد، وبالفعل بدأ الزوج في الاستجابة للعلاج، وبدأت حالته تتحسن نفسياً، واستطاع أخيراً العودة إلى عمله بعد محاولات حثيثة.

وأوضح أن الزوج أصيب بنوع من الإدمان على الألعاب الإلكترونية والوسواس القهري، نتيجة إيمانه واعتقاده بأنه سيفوز ويصبح غنياً، لافتاً إلى أن المدمن يحتاج إلى العلاج من الإدمان الإلكتروني لمدة تزيد على شهرين، ويتم عزله ومنعه من استخدام أي أدوات إلكترونية، حتى يتم كسر الدائرة التي حصلت في دماغه نتيجة إدمانه الألعاب الإلكترونية.

وأشار مطر إلى أن الإدمان الإلكتروني أدى إلى وقوع حالات طلاق، وتسبّب في حالات خيانة زوجية، وطرْد من العمل، وخسارة الأسرة نتيجة الإهمال وعدم تحمل المسؤولية الأسرية، مضيفاً أن الإدمان على الهاتف والألعاب الإلكترونية قد يؤثر سلباً في وظائف الدماغ ويتلف الأعصاب.

ولفت مطر إلى أن الحد من الألعاب الإلكترونية يبدأ بالتحكم في الهاتف أو الأجهزة الإلكترونية، وعدم ترك الأطفال يلعبون ساعات طويلة لتفادي تعرضهم للإدمان، موضحاً أن أفضل طريقة للحد من إدمان الأطفال على الألعاب الإلكترونية تحديد ساعة يومياً للعب طوال الأسبوع، خصوصاً أن الإدمان الإلكتروني قد يؤدي إلى الاكتئاب والإصابة بالوسواس القهري.

وأفاد الأخصائي النفسي في وزارة التربية والتعليم، حسن عيسى، بأن معظم حالات الإدمان الإلكتروني التي يتم التعامل معها تعود لمراهقين، قائلاً إنه تعامل مع مراهق (خليجي - 17 سنة)، تغيرت حياته ومعاملته مع أسرته بسبب إدمانه الألعاب الإلكترونية، ودأب على شراء الألعاب «أونلاين»، وأصبح عنيفاً وانعزالياً ويكره الاختلاط مع الآخرين، وباتت علاقته الاجتماعية مع والديه وأشقائه ضعيفة، الأمر الذي أثر سلباً في مستواه الدراسي وحالته النفسية.

ولفت إلى أن أحد الأطفال الذي أشرف على علاجه نفسياً أصيب بعمى مؤقت نتيجة إدمانه الألعاب الإلكترونية، حيث تم نقله للعلاج في ألمانيا من قبل أسرته لإنقاذه قبل فوات الأوان، موضحاً أن الألعاب الإلكترونية لها تأثير سلبي للغاية في صحة الأطفال، وفي علاقتهم الاجتماعية، ويجب على الأسر الانتباه لتأثيرها وإنشاء علاقة جيدة بين الأطفال لإعادتهم إلى المجتمع من جديد.

وأشار عيسى إلى أنه في حال كانت علاقة الطفل وأسرته ضعيفة، وأصبح مدمناً على الألعاب الإلكترونية، فإنه بات من الصعب على الأسرة إصلاح العلاقة معه، مضيفاً أن الأسرة الواعية تتعامل مع الطفل المدمن على الألعاب الإلكترونية على أنه مرض نفسي، ويجب علاجه من خلال مرافقته، وعدم تركه بمفرده في المنزل، والخروج سوياً ومصاحبته.

ورأى أستاذ علم الاجتماع التطبيقي أستاذ علم الجريمة في جامعة الشارقة، الدكتور أحمد فلاح العموش، أن الألعاب الإلكترونية أصبحت عادة اجتماعية في تصنيف علم الجريمة، ومن الصعب التخلص منها، إذ أصبحت تتحكم في سلوكيات ممارسيها، وأصابتهم بأمراض نفسية مثل القلق والعدائية تجاه أسرهم، نتيجة الانفكاك عن المجتمع والبقاء ساعات طويلة منعزلين ومنشغلين بممارسة الألعاب الإلكترونية.

وأوضح أن علم الاجتماع يطلق على مدمني الألعاب الإلكترونية اسم «أشخاص لا أسوياء»، لأنهم يمارسون سلوكيات غير سوية وعنيفة، لافتاً إلى أن أغلب الأشخاص يدخلون عالم الألعاب الإلكترونية أكثر من ساعتين يومياً، وفي حال تكرر دخولهم إلى اللعبة أكثر من مرة في اليوم فيعدون أشخاصاً مدمنين ومعتمدين على قضاء وقتهم في اللعب الإلكتروني.

وأضاف أن الإدمان الإلكتروني أصبح ظاهرة مجتمعية يعانيها الكثير، موضحاً أن العلاج الوحيد للإدمان الإلكتروني هو الابتعاد عنها تدريجياً والإخضاع لجلسات علاج نفسي واجتماعي، والانشغال بالقراءة والتنزه مع الأصدقاء وأفراد الأسرة، والمشاركة في المحاضرات والفعاليات، مؤكداً أن الألعاب الإلكترونية كانت سبباً في تفكك المجتمعات وتدمير الأسر والطلاق في بعض الأحيان، والفصل من العمل والخروج عن المألوف اجتماعياً ونفسياً وسلوكياً.

وتطرقت نائبة مدير جمعية الإمارات لحماية الطفل، موزة الشومي، إلى قصة طفل (خليجي) سيطر إدمان لعبة إلكترونية على كل تصرفاته، وحولت سلوكه من طفل هادئ وذكي إلى عنيف ومتأخر دراسياً.

وأوضحت أن والد الطفل تصرف بشكل غير عقلاني من أجل علاج ابنه، وكسر جهاز البلاي ستشين، الأمر الذي تسبب في زيادة عناد الطفل وكرهه الشديد لوالده الذي حرمه لعبته المفضلة، لافتة إلى أن من عوامل إدمان الطفل عدم الجلوس مع أهله على مائدة الطعام ولا السهر معهم، وإهمال الدراسة، ورفض الخروج مع الأسرة.

وأشارت إلى أنه توجد طرق عدة لعلاج الأطفال من الإدمان الإلكتروني، منها فصل الإنترنت ساعات طويلة عن المنزل، ومراقبة هواتف الأطفال عبر التطبيقات الذكية وإخضاعهم للعلاج النفسي، وإخراجهم من الحالة الانعزالية عبر الخروج في رحلات وتناول الطعام بشكل جماعي.

وأضافت أن إدمان الأسرة للألعاب الإلكترونية ينعكس سلباً على الأطفال، ويؤدي إلى انتقال الإدمان إليهم بطريقة أكثر شراسة، وذلك بسبب غياب دور الرقابة للأهل نتيجة إهمالهم وتقصيرهم تجاه أبنائهم.

وذكر الخبير التقني، أحمد الزرعوني، أنه يجب وضع ضوابط وأوقات وطرق لممارسة الأطفال الألعاب الإلكترونية، إذ لا يجوز ترك الحرية للأطفال، وحتى الكبار، لممارسة الألعاب الإلكترونية ساعات طويلة في غرف مغلقة، متابعاً أن الألعاب الإلكترونية لا تخضع لمنظومة صحيحة لتصنيفها ضمن الألعاب الأكثر أو الأقل خطورة، إذ تحتوي بعض الألعاب، المخصصة للأطفال من أربع سنوات فما فوق، على صور مخلة بالآداب وألفاظ بذيئة وحركات عنيفة.

وأوضح أن بعض الألعاب تجبر ممارسيها على استكمال مراحل اللعبة بشكل كامل للوصول إلى مرحلة الفوز أو لمرحلة تقييم اللعبة، وهذا يستغرق ساعات طويلة، مشيراً إلى أنه يجب إجبار الشركات على وضع ضوابط لألعابها تتماشى مع القيم والتقاليد والأخلاق، حتى لا يقلد الشباب والأطفال أفعال أبطال اللعبة، التي قد تتضمن ممارسات عنيفة أو إباحية.

عيادة متخصصة

يعتزم المركز الوطني للتأهيل افتتاح عيادة متخصصة لعلاج إدمان الألعاب الإلكترونية في المقر الرئيس للمركز بمدينة شخبوط في أبوظبي، لتقدم خدماتها للمواطنين والمقيمين، حيث تستهدف العيادة علاج المدمنين على هذه النوعية من الألعاب، باستخدام مقياس إدمان الإنترنت لليافعين.

ألعاب التحدي

أكد أستاذ الطب النفسي في جامعة الطب والعلوم الصحية في رأس الخيمة، الدكتور طلعت مطر، أن المراهقين من عُمر 12 إلى 17 سنة أكثر إدماناً على الألعاب الإلكترونية، لافتاً إلى أن الذكور أكثر من الإناث حباً للاستطلاع وتصفح المواقع الإلكترونية والبحث عن ألعاب التحدي، مشيراً إلى أن ممارسة الألعاب الإلكترونية بغرض الربح المالي، قد تؤدي إلى الإدمان، كما أن بعض ألعاب التحدي قد تؤدي إلى الانتحار وتشجع على العنف.

وشرح أن من القصص التي وردت إلى القسم كانت لزوج (عربي)، طلب المساعدة في علاج زوجته وابنه من إدمان تصفح مواقع التواصل الاجتماعي، حيث كان يستيقظ من نومه الساعة الرابعة فجراً ليجد زوجته تتصفح الـ«فيس بوك»، ويعثر على ابنه (17 سنة) في صالة المنزل يلعب «فورنت نايت»، من دون مبالاة الزوجة واهتمامها بابنها.

وأوضح أن تقصير الزوجة وإدمانها الإلكتروني أثرا سلباً في سلوكيات الابن، وتأخر دراسياً وتكرر غيابه عن المدرسة، نتيجة سهره طوال الليل بسبب الألعاب الإلكترونية، لافتاً إلى أنه بعد المحاولات العلاجية وتهديد الزوج لها بالطلاق، خففت الزوجة من ساعات الجلوس على الإنترنت واستقرت حالتهم الأسرية نوعاً ما.

• رجل يحبس نفسه في غرفة لتحقيق المركز الأول في لعبة إلكترونية.. وامرأة تهمل أسرتها من أجل «التواصل الاجتماعي».

طباعة